تفسير من فتاوى ابن باز الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 282) - منتديات ورد العرب
   

 


   
 
العودة   منتديات ورد العرب > المنتــديـآت الإســلاميــــهـ > ورد الاسلاميات > ورد التفسير والإعجاز العلمي في القرآن الكريم
 
   

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2010-03-09, 09:55 PM   #1
مشرف



الشيخ غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 324
 تاريخ التسجيل :  Aug 2009
 أخر زيارة : 2014-08-25 (12:49 AM)
 المشاركات : 6,655 [ + ]
 التقييم :  3687
 مزاجي
 اوسمتي
وسام التميز  المركز الثاتي  العضو المميز  التكريم 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي تفسير من فتاوى ابن باز الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 282)



52 - تفسير قول الله تعالى: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ الآية . سورة البقرة الآية
س: نرجو إيضاح قول الله تعالى عن الكهنة ومن شابههم الذين تركوا طريق الله وذهبوا إلى الشياطين؛ ليتعلموا منهم ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، كيف يكون ذلك، وهل يحدث ذلك الضرر للمؤمنين الفاسقين؟ وما طريق الوقاية من هذه الشرور والأضرار، حيث يروج كثير من الكهنة للعوام قدرتهم على ذلك؟
ج: قد تكون هذه الطرق الخبيثة من خدمة الشياطين، وخدمة من تعاطى هذه الأمور، وصحبتهم لهم، وتعلمهم منهم من أنواع السحرة والكهنة والرمالين والعرافين، وغيرهم من المشعوذين، فيتعاطون هذه الأمور من أجل المال، والاستحواذ على عقول الناس، وحتى يعظمهم الناس فيقولوا: إنهم يعرفون كذا ويعرفون كذا، وهذا واقع، والله يبتلي عباده بالسراء والضراء، ويبتلي عباده بالأشرار والأخيار، حتى يتميز الصادق من الكاذب،
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 177)

وحتى يتميز ولي الله من عدو الله، وحتى يتميز من يعبد الله، ويسعى في سلامة دينه، ويحارب الكفر والنفاق والمعاصي والخرافات، وبين من هو ضعيف في ذلك أو مخلد إلى الكسل والضعف، والله يميز الناس بما يبتليهم به من السراء والضراء، والشدة والرخاء، وتسليط الأعداء والجهاد، حتى يتبين أولياء الله من أعدائه المعاندين لدين الله، وحتى يتبين أهل القوة في الحق من الضعفاء والخاملين، وهذا واقع لا شك فيه، والتوقي لذلك مشروع بحمد الله، بل واجب، وقد شرع الله لعباده أن يتوقوا شرهم بما شرع سبحانه من التعوذات والأذكار الشرعية وسائر الأسباب المباحة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: أخرجه مسلم في صحيحه كتاب (الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار) برقم (48810) من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك ، أخرجه مسلم في صحيحه .
وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أن أخرجه أبو داود في سننه كتاب (الآداب) برقم (4425) من قال: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات في المساء لم يضره شيء حتى يصبح، ومن قالها ثلاث مرات في الصباح لم يضره شيء حتى يمسي ،
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 178)
وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أن من قرأ آية الكرسي حين ينام على فراشه لم يضره شيء حتى يصبح، وهذا من فضل الله عز وجل، وأخبر صلى الله عليه وسلم: أن من قرأ سورة الإخلاص: قل هو الله أحد، وسورتي الفلق والناس ثلاث مرات عند نومه لم يضره شيء، فهي من أسباب السلامة من كل سوء إذا قرأها المؤمن عند النوم (ثلاث مرات) وهكذا بعد الصلوات الخمس، ويشرع تكرارها بعد صلاة الفجر والمغرب ثلاثا، وذلك بعد أن ينتهي من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وذلك من فضل الله سبحانه وتعالى على عباده، وإرشاده لهم إلى أسباب العافية والوقاية من شر الأعداء.

وهكذا من الأسباب الشرعية الإكثار من الكلمات الأربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فهي من أسباب السلامة والعافية لقول النبي صلى الله عليه وسلم: أخرجه مسلم في صحيحه كتاب (الآداب) برقم (3985) أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ، أخرجه مسلم في صحيحه .
وهكذا العناية بقراءة القرآن الكريم والإكثار منها بالتدبر والتعقل والعناية بأمر الله عز وجل بطاعته وترك معاصيه .
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 179)
وهكذا الإكثار من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كلها من أسباب السلامة، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أخرجه البخاري في صحيحه كتاب (الدعوات) برقم (5942)، ومسلم في صحيحه كتاب (الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار) برقم (4857) من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب الله له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكان في حرز من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من عمله ، متفق على صحته .
ومما يجمع الخير كله للمسلم العناية بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قولا وعملا، والأخذ بما أوصى به الله عباده وأمرهم به في كتابه الكريم وسنة رسوله الأمين، ومن ذلك أنه أوصى عباده بالتقوى وأمرهم بها في آيات كثيرة، ولا شك أن التقوى هي أعظم الوصايا، فهي وصية الله عز وجل، ووصية رسوله عليه الصلاة والسلام، وهي جامعة للخير كله.
ومن جملة التقوى العناية بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وقد أوصى الله بذلك،
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 180)

فقال جل وعلا: سورة الأنعام الآية 155 وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وقال جل وعلا : سورة الأنعام الآية 151 قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ سورة الأنعام الآية 152 وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ثم قال بعد ذلك : سورة الأنعام الآية 153 وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
فقال: أولا: سورة الأنعام الآية 151 لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ثم قال: سورة الأنعام الآية 152 لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ثم قال سورة الأنعام الآية 153 لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 181)
والحكمة في ذلك كما قال جمع من أهل التفسير: إن الإنسان إذا تعقل ما خلق له وما أمر به، وما خوطب به، ونظر فيه وتأمله حصل له به التذكر، لما يجب عليه، ولما ينبغي له تركه، ثم بعد ذلك تكون التقوى: بفعل الأوامر وترك النواهي، وبذلك يكمل للعبد العناية بما قرأ، أو بما سمع، فإنه يبدأ بالتعقل والتذكر ثم العمل وهو المقصود.

فالوصية بكتاب الله قولا وعملا تشمل الدعوة إليه، والذب عنه، والعمل به ؛ لأنه كتاب الله الذي من تمسك به نجا، ومن حاد عنه هلك، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى : أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بكتاب الله، وذلك حينما صحيح البخاري الوصايا (2589),صحيح مسلم الوصية (1634),سنن الترمذي الوصايا (2119),سنن النسائي الوصايا (3620),سنن ابن ماجه الوصايا (2696),مسند أحمد بن حنبل (4/355),سنن الدارمي الوصايا (3180). سئل عبد الله بن أبي أوفى : هل أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء؟ قال: نعم، أوصى بكتاب الله .
فالرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بكتاب الله ؛ لأنه يجمع الخير كله.
وفي صحيح مسلم ، عن جابر رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام أوصى في حجة الوداع بكتاب الله، فقال: صحيح مسلم الحج (1218),سنن ابن ماجه المناسك (3074),مسند أحمد بن حنبل (3/321),سنن الدارمي المناسك (1850). إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به: كتاب الله من تمسك به نجا، ومن أعرض عنه هلك ، وفي صحيح
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 182)
مسلم أيضا، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صحيح مسلم فضائل الصحابة (2408),مسند أحمد بن حنبل (4/367),سنن الدارمي فضائل القرآن (3316). إني تارك فيكم ثقيلين: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به .

فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: أخرجه مسلم في صحيحه كتاب (فضائل الصحابة) برقم (4425) وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أوصى بكتاب الله، كما أوصى الله بكتابه، ثم الوصية بكتاب الله وصية بالسنة؛ لأن القرآن أوصى بالسنة وأمر بتعظيمها، فالوصية بكتاب الله وصية بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما الثقلان، وهما الأصلان اللذان لابد منهما، من تمسك بهما نجا، ومن حاد عنهما هلك، ومن أنكر واحدا منهما كفر بالله، وحل دمه وماله، وقد جاء في رواية أخرى: إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به، كتاب الله، وسنتي أخرجه الحاكم في مستدركه برقم (319) . ، أخرجها الحاكم بسند جيد .
وقد عرفت أيها المسلم: أن الوصية بكتاب الله والأمر بكتاب الله وصية بالسنة وأمر بالسنة ؛ لأن الله تعالى يقول:
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 183)
سورة النور الآية 56 وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ويقول سبحانه: سورة الحشر الآية 7 وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا الآية، ويقول أيضا: سورة النساء الآية 80 مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا

وهناك آيات كثيرة يأمر فيها سبحانه بطاعته، وطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، والعلم النافع هو المتلقى عنهما والمستنبط منهما، فهذا هو العلم، فالعلم: قال الله سبحانه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم ؛ لأنهم أعلم بكتاب الله وأعلم بالسنة، فاستنباطهم وأقوالهم يعين طالب العلم، ويرشد طالب العلم إلى الفهم الصحيح عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام، ثم الاستعانة بكلام أهل العلم بعد ذلك: أئمة الهدى ؛ كالتابعين، وأتباع التابعين، ومن بعدهم من علماء الهدى، وهكذا أئمة اللغة يستعان بكلامهم على فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 184)
فطالب العلم يعنى بكتاب الله سبحانه، ويعنى بالسنة، ويستعين على ذلك بكلام أهل العلم المنقول عن الصحابة ومن بعدهم في كتب التفسير والحديث، وكتب أهل العلم والهدى ؛ لكي يعرف معاني كتاب الله، فيتعلمه ويعمل به ويعلمه للناس، لما في ذلك من الأجر العظيم والثواب الجزيل، ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: أخرجه البخاري في صحيحه كتاب (فضائل القرآن) برقم (4639) . خيركم من تعلم القرآن وعلمه ، وقوله صلى الله عليه وسلم: أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب العلم)، ومسلم في صحيحه كتاب (الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر) برقم (4867). من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة .

وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على المحافظة على كتاب الله عز وجل وتدبر معانيه؛ لما في ذلك من الأجر العظيم، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: سنن الترمذي فضائل القرآن (2910). من قرأ حرفا من القرآن فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها ، وقوله صلى الله عليه وسلم: صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (804),مسند أحمد بن حنبل (5/249). اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه ، خرجه مسلم في صحيحه صحيح مسلم بشرح النووي (6 / 78) . ، وأصحابه: هم العاملون
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 185)
به، كما في الحديث الآخر: وهو قوله صلى الله عليه وسلم: صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (805),سنن الترمذي فضائل القرآن (2883),مسند أحمد بن حنبل (4/183). يؤتى بالقرآن يوم القيامة، وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران، كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما حزقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما أخرجه مسلم في صحيحه المرجع السابق: (6 / 79) .
والآيات والأحاديث في فضل القرآن والعمل به وفضل السنة والتمسك بها كثيرة جدا.
فنسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا والمسلمين للتمسك بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والعمل بهما، إنه جواد كريم.

(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 186)

53 - تفسير قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ سورة البقرة الآية 184
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة صاحب السمو الملكي الأمير المكرم سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض
وفقه الله وزاده من العلم والإيمان آمين
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد صدرت من مكتب سماحته برقم 1563 / خ في 23 / 9 / 1410هـ :
فأشير إلى سؤالكم الشفهي عن تفسير قوله تعالى: سورة البقرة الآية 184 وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ورغبة سموكم في أن يكون الجواب خطيا.
وأفيدكم أن علماء التفسير رحمهم الله ذكروا أن الله سبحانه لما شرع صيام شهر رمضان شرعه مخيرا بين الفطر والإطعام وبين الصوم، والصوم أفضل، فمن أفطر وهو قادر على الصيام فعليه
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 187)

إطعام مسكين، وإن أطعم أكثر فهو خير له وليس عليه قضاء، وإن صام فهو أفضل لقوله عز وجل: سورة البقرة الآية 184 وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فأما المريض والمسافر فلهما أن يفطرا ويقضيا لقوله سبحانه: سورة البقرة الآية 184 فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ثم نسخ الله ذلك، وأوجب سبحانه الصيام على المكلف الصحيح المقيم ورخص للمريض والمسافر في الإفطار وعليه القضاء؛ وذلك بقوله سبحانه: سورة البقرة الآية 185 شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وبقي الإطعام في حق الشيخ الكبير العاجز والعجوز الكبيرة العاجزة عن الصوم، كما ثبت ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، وجماعة من الصحابة والسلف رضي الله عنهم، وقد روى البخاري في صحيحه عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه معنى ما ذكرنا من النسخ للآية المذكورة، وهي قوله
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 188)

تعالى: سورة البقرة الآية 184 وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ الآية، وروي ذلك عن معاذ بن جبل رضي الله عنه وجماعة من السلف رحمهم الله، ومثل الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، والمريض الذي لا يرجى برؤه، والمريضة التي لا يرجى برؤها فإنهما يطعمان عن كل يوم مسكينا، ولا قضاء عليهما كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، ويجوز إخراج الإطعام في أول الشهر وفي وسطه وفي آخره، أما الحامل والمرضع فيلزمهما الصيام إلا أن يشق عليهما فإنه يشرع لهما الإفطار وعليهما القضاء كالمريض والمسافر، هذا هو الصحيح في قولي العلماء في حقهما، وقال جماعة من السلف : يطعمان ولا يقضيان كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، والصحيح أنهما كالمريض والمسافر تفطران وتقضيان، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس بن مالك الكعبي ما يدل على أنهما كالمريض والمسافر، وأسأل الله عز وجل أن يمنحنا وإياكم الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يجعلنا وإياكم وسائر إخواننا من الهداة المهتدين إنه سميع قريب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 189)

54 - تفسير قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ سورة البقرة الآية 158
س: هذا يسأل عن تفسير قوله تعالى: سورة البقرة الآية 158 إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ويقول : ذلك بأننا سمعنا أناسا في الحرم يفسرون لا جناح عليه بأنه ليس من الضروري في الحج والعمرة؟ شريط نور على الدرب رقم 49 / 7 لحج عام 1415هـ .
ج: هذا غلط، النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسعي وسعى، وكان المسلمون يتحرجون أولا من السعي ؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يسعون بينهما بصنمين على الصفا والمروة ، فلما جاء الله بالإسلام تحرجوا قيل لهم: لا حرج، والسعي بينهما لله، لا للأصنام، لله وحده سبحانه وتعالى كل شعائر الله إعلانه وأحكامه جل وعلا، ولهذا طاف النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وقال: أخرجه مسلم في صحيحه كتاب (الحج) برقم (2286) خذوا عني مناسككم ، في عمرته وفي حجه عليه الصلاة والسلام، فليس هناك جناح في الطواف بهما كما طاف النبي
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 190)
صلى الله عليه وسلم، هذا رد على من تحرج في السعي بينهما، وأنهما كانا بين صنمين الصفا والمروة إساف ونائلة، كان المشركون يسعون للصنمين فأبطل الله عبادة الأصنام، وأقر السعي لله وحده لا شريك له.

55 - تفسير قول الله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ سورة البقرة الآية 189
س: ما معنى قوله تعالى: سورة البقرة الآية 189 يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ؟ برنامج (نور على الدرب) الشريط الأول .
ج: يسألون عن الحكمة فيها، يسأل الناس عن الحكمة لماذا وجدت الأهلة؟ فأخبرهم جل وعلا أنها مواقيت للناس والحج، مواقيت يعرف بها الناس السنين والأعوام والحج، هذه من الحكمة في خلقها، إذا هل الهلال عرف الناس إذا دخل الشهر وخرج الشهر فإذا كمل اثنا عشر شهرا مضت السنة، وهكذا، ويعرف الناس بذلك حجهم وصومهم ومواقيت ديونهم وعدد نسائهم وغير ذلك من مصالحهم.

(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 191)
56 -
تفسير قوله تعالى : وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ سورة البقرة الآية 195
من برنامج (نور على الدرب) الشريط الأول .
س: ما تفسير قوله تعالى: سورة البقرة الآية 195 وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ؟
ج: هذه الآية الشريفة ذكر أهل التفسير أنها نزلت في الأنصار بالمدينة المنورة لما أرادوا أن يتركوا الجهاد، وأن يتفرغوا لمزارعهم، أنزل الله في ذلك قوله تعالى: سورة البقرة الآية 195 وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ فبين سبحانه أن المراد بذلك هو التأخر عن الجهاد في سبيل الله مع القدرة، والآية عامة كما في القاعدة الشرعية أن الاعتبار في النصوص بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فلا يجوز للإنسان أن يلقى بيده إلى التهلكة، كأن يلقي نفسه من شاهق، ويقول: إني أتوكل على الله، أو يتناول السم ويقول: إني أتوكل على الله، أو أن يطعن نفسه بسكين ونحوه ويقول: إني أتوكل على الله إني أسلم، كل هذا لا يجوز، فواجب على المسلم التباعد عن أسباب الهلكة وأن يتحرز منها، إلا بالطرق الشرعية كالجهاد وغيره.

(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 192)
57 -
معنى الرفث والفسوق والجدال في الحج
س: يقول تعالى: سورة البقرة الآية 197 الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ الآية.
سماحة الشيخ ما المقصود بالرفث والفسوق والجدال الممنوع.. وهل من جادل أو بالغ بالعبث أثناء الحج يبطل حجه؟ نشر في كتاب (فتاوى إسلامية) جمع محمد المسند ج 2 ص 180 .
ج: فسر أهل العلم رحمهم الله الرفث بالجماع وما يدعو إلى ذلك، والفسوق بالمعاصي، أما الجدال ففسروه بالنزاع والمخاصمة في غير فائدة، أو فيما أوضحه الله وبينه لعباده فلا وجه للجدال فيه، ويدخل في الجدال المنهي عنه جميع المنازعات التي تؤذي الحجيج وتضرهم أو تخل بالأمن أو يراد منها الدعوة إلى الباطل أو التثبيط عن الحق، أما الجدال بالتي هي أحسن لإيضاح الحق
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 193)
وإبطال الباطل فهو مشروع، وليس داخلا في الجدال المنهي عنه، وجميع الأشياء الثلاثة لا تبطل الحج إلا الجماع فقط إذا وقع قبل التحلل الأول لكنها تنقص الحج والأجر، كما أنها تنقص الإيمان وتضعفه.
فالواجب على الحاج والمعتمر تجنب ذلك طاعة لله سبحانه ورغبة في إكمال حجه وعمرته.

58 - تفسير قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ سورة البقرة الآية 197
س: نسأل فضيلتكم عن معنى قول الله سبحانه: سورة البقرة الآية 197 الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ الآية، جزاكم الله خيرا ؟
ج: يقول الله سبحانه: سورة البقرة الآية 197 الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ معنى الآية: أن الحج يهل به في أشهر معلومات، وهي شوال وذو القعدة والعشر الأولى من ذي الحجة، هذا هو
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 194)
المراد بالآية وسماها أشهرا؛ لأن قاعدة العرب إذا ضموا بعض الثالث إلى الاثنين أطلقوا عليها اسم الجمع، وقوله سبحانه: سورة البقرة الآية 197 فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ يعني أوجب الحج فيهن على نفسه بالإحرام بالحج فإنه يحرم عليه الرفث والفسوق والجدال، والرفث: هو الجماع ودواعيه فليس له أن يجامع زوجته بعد ما أحرم، ولا يتكلم ولا يفعل ما يدعوه إلى الجماع، ولا يأتي الفسوق وهي المعاصي كلها من عقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والغيبة والنميمة، وغير ذلك من المعاصي.

والجدال معناه: المخاصمة والمماراة بغير حق فلا يجوز للمحرم بالحج أو بالعمرة أو بهما أن يجادل بغير حق، وهكذا في الحق لا ينبغي أن يجادل فيه بل يبينه بالحكمة والكلام الطيب فإذا طال الجدال ترك ذلك، ولكن لابد من بيان الحق بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وهذا النوع غير منهي عنه بل مأمور به في قوله سبحانه: سورة النحل الآية 125 ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ الآية.
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 195)
59 - تفسير قوله تعالى : سورة البقرة الآية 203 وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ
س: ما المقصود يا سماحة الشيخ بقول الله تعالى: سورة البقرة الآية 203 فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ؟ أسئلة حج عام 1407 هـ شريط رقم (1).
ج: هذه الآية الكريمة في أيام التشريق في النفر الأول والنفر الثاني، يقول الله سبحانه: سورة البقرة الآية 203 وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ هذه أيام التشريق يوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ليس منها يوم العيد سورة البقرة الآية 203 وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ يوم العيد داخل في العشر التي فيها الذكر، العشر مأمور فيها بالذكر والأيام المعدودات مأمور فيها بالذكر أيضا، كلها ثلاثة عشر يوما كلها مشروع فيها الذكر من أولها إلى آخرها من اليوم الأول من شهر ذي الحجة إلى اليوم الثالث عشر كلها أيام ذكر وتكبير وتهليل، ويشرع للمسلمين فيها التكبير والتهليل في الليل والنهار وفي المساجد، وفي الطرق، وفي البيوت، وفي كل مكان
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 196)

سورة البقرة الآية 203 وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ يعني الثاني عشر فلا إثم عليه سورة البقرة الآية 203 وَمَنْ تَأَخَّرَ الثالث عشر سورة البقرة الآية 203 فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ذكرهم سبحانه بمجمعهم هذا في عرفات، وفي مزدلفة، وفي منى أنه يحشرهم يوم القيامة فهم محشورون إلى الله يوم القيامة حشرا عظيما لا يبقى منهم أحد، كما قال تعالى: سورة التغابن الآية 9 يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ فكل الناس محشورون يوم القيامة جميعا ومجزيون بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فهذا الحشر في منى وعرفات ومزدلفة هذا الجمع يذكر العاقل بيوم القيامة، وجمع الخلائق في يوم القيامة، لعله يستعد لذلك اليوم العظيم، والحجاج فيهم من يريد النفير والتعجل وفيهم لا يريد ذلك، فمن تعجل من اليوم الثاني عشر بعد الزوال وبعد الرمي فلا بأس، ومن تأخر حتى يرمي اليوم الثالث عشر بعد الزوال فلا بأس وهو أفضل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تأخر، ولم ينفر إلا في اليوم الثالث عشر عليه الصلاة والسلام، فالحجاج مخيرون من شاء نفر في اليوم الثاني عشر بعد رمي الجمرات الثلاث فينفر إلى مكة ، ثم هو بالخيار إن أحب السفر طاف للوداع قبل أن يسافر، وإن أحب أن يبقى في مكة أياما.
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 197)

فإذا عزم على السفر طاف للوداع عند السفر وليس يوم العيد منها، فبعض الناس يغلط، ينفر في اليوم الحادي عشر، ويقول: هذا هو اليوم الثاني، هذا غلط عظيم، يوم العيد لا يحسب منها أولها الحادي عشر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أخرجه الإمام أحمد في مسنده كتاب (أول الكوفيين) برقم (18022) الترمذي في سننه كتاب (الحج) برقم (814). أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه يعني الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر.
60 - تفسير قوله تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ الآية
سورة البقرة الآية 225
س: قال الله تعالى: سورة البقرة الآية 225 لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ سؤالي: ما معنى اللغو بالأيمان في هذه الآية؟ من برنامج (نور على الدرب) الشريط الأول في 2 / 6 / 1419 هـ .
ج: الآية واضحة، يقول الله سبحانه وتعالى: سورة البقرة الآية 225 لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ الآية،
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 198)

وفي الآية الأخرى قال سبحانه: سورة المائدة الآية 89 وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ وكسب القلوب نيتها وقصدها الإيمان بالله والمحبة لله والخوف من الله والرجاء لله سبحانه وتعالى، كل هذا من كسب القلوب، وهكذا نية الحالف وقصده لليمين وإقباله عليها هذا من كسب القلوب، أما عند عدم اليمين لكونه يتكلم باليمين من غير قصد، بل جرت على لسانه من غير قصد، مثل: والله ما أقوم، والله ما أتكلم، والله ما أذهب لكذا إلى آخره ولم يتعمدها، بل جرت على لسانه لكن من غير قصد، أي عقد اليمين على هذا الشيء من غير قصد القلب على فعل هذا الشيء، هذا هو لغو اليمين، قول الرجل: لا والله، كما جاء في هذا المعنى عن عائشة رضي الله عنها وغيرها في اللغو باليمين، أما إذا نوى اليمين بقلبه أنه لا يكلمه، أو لا والله لا أزوره، أو لا والله لا أفعل كذا، أو لا أشرب الدخان، أو والله لا أشرب الخمر، فهذا عليه كفارة اليمن إذا نقض يمينه، وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو أن يعتق رقبة، فإن عجز عن الثلاثة صام ثلاثة أيام لقوله جل وعلا: سورة المائدة الآية 89 وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 199)
والمقصود : أن الأيمان اللاغية هي التي لا تعتمد ، بل تجري على اللسان بغير قصد ، هذه هي لغو اليمين وليست يمينا منعقدة وليست من كسب القلوب، أما إذا عقدها قاصدا لها بقلبه فهذا من كسب القلوب وهذا من تعقيد الأيمان، فعلى صاحب هذه اليمين إذا خالفها أن يكفر كفارة اليمين كما تقدم . فإذا قال : والله لا أكلم فلانا، قاصدا بقلبه ثم كلمه ، فعليه كفارة يمين أو قال : والله لا أزوره ، ثم زاره فعليه كفارة يمين، بخلاف إذا مر على لسانه اليمين بغير قصد لم يتعمدها فليس عليه شيء .


61 -
تفسير معاني بعض الآيات الكريمة
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز
إلى حضرة الأخ المكرم الدكتور م. أ. ح. سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :
فأشير إلى كتابكم الذي جاء فيه :
نرجو من فضيلتكم توضيح معاني هذه الآيات الكريمة التالية : بسم الله الرحمن الرحيم : سورة الأنعام الآية 3 وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 200)
والآية : سورة البقرة الآية 255 وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ والآية : سورة الزخرف الآية 84 وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ والآية : سورة المجادلة الآية 7 مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
وحديث الجارية الذي رواه مسلم ، حينما سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أخرجه مسلم في صحيحه كتاب (المساجد ومواضع الصلاة) برقم (836). أين الله ؟ قالت : في السماء . وقال لها : من أنا ؟ قالت : أنت رسول الله . قال الرسول صلى الله عليه وسلم : أعتقها ؛ فإنها مؤمنة
نرجو توضيح معاني هذه الآيات الكريمة ، وتوضيح معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للجارية نشرت في المجموع ج8 ص283. ؟
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 201)

وأفيدك : بأن المعنى العام للآيات الكريمات والحديث النبوي الشريف ، هو الدلالة على عظمة الله سبحانه وتعالى ، وعلوه على خلقه ، وألوهيته لجميع الخلائق كلها ، وإحاطة علمه وشموله لكل شيء كبيرا كان أو صغيرا ، سرا أو علنا ، وبيان قدرته على كل شيء ، ونفي العجز عنه سبحانه وتعالى .
وأما المعنى الخاص لها : فقوله تعالى : سورة البقرة الآية 255 وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ففيها الدلالة على عظمة الكرسي وسعته ، كما يدل ذلك على عظمة خالقه سبحانه وكمال قدرته ، وقوله : سورة البقرة الآية 255 وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ أي : لا يثقله ولا يكرثه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما ومن بينهما ، بل ذلك سهل عليه يسير لديه ، وهو القائم على كل نفس بما كسبت ، الرقيب على جميع الأشياء ، فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء ، والأشياء كلها حقيرة بين يديه ، متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه سبحانه محتاجة وفقيرة إليه ، وهو الغني الحميد ، الفعال لما يريد ، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، وهو القاهر لكل شيء ، الحسيب على كل شيء ، الرقيب العلي العظيم ، لا إله غيره ولا رب سواه .
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 202)
وقوله سبحانه : سورة الأنعام الآية 3 وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ففيها الدلالة على أن المدعو الله في السماوات وفي الأرض ، ويعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السماوات ومن في الأرض ، ويسمونه : الله ، ويدعونه رغبا ورهبا إلا من كفر من الجن أو الإنس ، وفيها الدلالة على سعة علم الله سبحانه ، واطلاعه على عباده ، وإحاطته بما يعملونه ، سواء كان سرا أو جهرا ، فالسر والجهر عنده سواء سبحانه وتعالى ، فهو يحصي على العباد جميع أعمالهم خيرها وشرها .

وقوله سبحانه : سورة الزخرف الآية 84 وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 203)
فمعناها : أنه سبحانه هو إله من في السماء وإله من في الأرض ، يعبده أهلهما ، وكلهم خاضعون له ، أذلاء بين يديه إلا من غلبت عليه الشقاوة فكفر بالله ولم يؤمن به ، وهو الحكيم في شرعه وقدره ، العليم بجميع أعمال عباده سبحانه .
وقوله سبحانه وتعالى : سورة المجادلة الآية 7 أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فمعناها : أنه مطلع سبحانه على جميع عباده ، أينما كانوا يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم ، ورسله من الملائكة الكرام والكاتبين الحفظة أيضا مع ذلك يكتبون ما يتناجون به مع علم الله به وسمعه له .
والمراد بالمعية المذكورة في هذه الآية عند أهل السنة والجماعة : معية علمه سبحانه وتعالى ، فهو معهم بعلمه ، ولكن سمعه أيضا مع علمه محيط بهم ، وبصره نافذ فيهم ، فهو سبحانه وتعالى مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء مع أنه سبحانه فوق جميع الخلق قد استوى على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته ، ولا يشابه خلقه في شيء من صفاته ، كما قال عز وجل : سورة الشورى الآية 11 لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ثم ينبئهم يوم القيامة بجميع الأعمال التي عملوها في الدنيا ؛ لأنه سبحانه بكل شيء عليم ، وبكل شيء محيط ، عالم الغيب لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين .

(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 204)
أما حديث الجارية التي أراد سيدها إعتاقها كفارة لما حصل منه من ضربها ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (537),سنن النسائي السهو (1218),سنن أبو داود الصلاة (930). أين الله ؟ قالت : في السماء . قال : من أنا ؟ قالت : رسول الله ، قال : أعتقها ؛ فإنها مؤمنة ، فإن فيه الدلالة على علو الله على خلقه ، وأن الاعتراف بذلك دليل على الإيمان ، هذا هو المعنى الموجز لما سألت عنه .
والواجب على المسلم أن يسلك في هذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحيحة الدالة على أسماء الله وصفاته مسلك أهل السنة والجماعة ، وهو : الإيمان بها ، واعتقاد صحة ما دلت عليه ، وإثباته له سبحانه على الوجه اللائق به من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ، وهذا هو المسلك الصحيح الذي سلكه السلف الصالح واتفقوا عليه ، كما يجب على المسلم الذي يريد السلامة لنفسه وتجنيبها الوقوع فيما يغضب الله العدول عن طريق أهل الضلال الذين يؤولون صفات الله ، أو ينفونها عنه ، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، وسبق أن صدر من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتوى في إثبات العلو لله سبحانه ، فنرفق لك نسخة منها ؛ لمزيد الفائدة ، كما نرفق لك نسخة من ( العقيدة الواسطية ) لشيخ الإسلام ابن
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 205)
تيمية ، وشرحها للشيخ محمد خليل الهراس ، وفيها بحث موسع في الموضوع الذي سألت عنه .
ونسأل الله أن يرزق الجميع العلم النافع والعمل به ، وأن يوفق الجميع لما يرضيه ، إنه سميع مجيب .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

62- تفسير قوله تعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ الآية
سورة البقرة الآية 256
س : مذكور في القرآن الكريم : سورة البقرة الآية 256 لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فما معنى هذا ؟ نشر في المجموع ج8 ص 287 .
ج : قد ذكر أهل العلم رحمهم الله في تفسير هذه الآية ما معناه : أن هذه الآية خبر معناه النهي ، أي : لا تكرهوا على الدين الإسلامي من لم يرد الدخول فيه ؛ فإنه قد تبين الرشد ، وهو دين محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأتباعهم بإحسان ، وهو توحيد الله بعبادته وطاعة أوامره وترك نواهيه سورة البقرة الآية 256 مِنَ الْغَيِّ وهو :
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 206)
دين أبي جهل وأشباهه من المشركين الذين يعبدون غير الله من الأصنام والأولياء والملائكة والأنبياء وغيرهم ، وكان هذا قبل أن يشرع الله سبحانه الجهاد بالسيف لجميع المشركين إلا من بذل الجزية من أهل الكتاب والمجوس ، وعلى هذا تكون هذه الآية خاصة لأهل الكتاب ، والمجوس إذا بذلوا الجزية والتزموا الصغار فإنهم لا يكرهون على الإسلام ؛ لهذه الآية الكريمة ، ولقوله سبحانه في سورة التوبة : سورة التوبة الآية 29 قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ فرفع سبحانه عن أهل الكتاب القتال إذا أعطوا الجزية والتزموا الصغار .

وثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صحيح البخاري الجزية (2987),سنن الترمذي السير (1586),سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (3043),مسند أحمد بن حنبل (1/191),سنن الدارمي السير (2501). أخذ الجزية من مجوس هجر ، أما من سوى أهل الكتاب والمجوس من الكفرة والمشركين والملاحدة فإن الواجب مع القدرة دعوتهم إلى الإسلام، فإن أجابوا فالحمد لله ، وإن لم يجيبوا وجب جهادهم ، حتى يدخلوا في الإسلام ، ولا تقبل منهم الجزية ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلبها من كفار العرب ، ولم
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 207)
يقبلها منهم ، ولأن أصحابه رضي الله عنهم لما جاهدوا الكفار بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لم يقبلوا الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس ، ومن الأدلة على ذلك قوله سبحانه : سورة التوبة الآية 5 فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فلم يخيرهم سبحانه بين الإسلام وبين البقاء على دينهم ، ولم يطالبهم بجزية ، بل أمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، فدل ذلك على أنه لا يقبل من جميع المشركين ما عدا أهل الكتاب والمجوس إلا الإسلام ، وهذا مع القدرة ، والآيات في هذا المعنى كثيرة .

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة تدل على هذا المعنى، منها : قول النبي صلى الله عليه وسلم : أخرجه البخاري في صحيحه كتاب (الإيمان) برقم (24)، ومسلم في صحيحه كتاب (الإيمان) برقم (31). أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام ، وحسابهم
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 208)
على الله عز وجل متفق على صحته ، فلم يخيرهم النبي صلى الله عليه وسلم بين الإسلام وبين البقاء على دينهم الباطل ، ولم يطلب منهم الجزية .
فدل ذلك : أن الواجب إكراه الكفار على الإسلام ، حتى يدخلوا فيه ما عدا أهل الكتاب والمجوس ؛ لما في ذلك من سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة ، وهذا من محاسن الإسلام ؛ فإنه جاء بإنقاذ الكفرة من أسباب هلاكهم وذلهم وهوانهم وعذابهم في الدنيا والآخرة ، إلى أسباب النجاة والعزة والكرامة والسعادة في الدنيا والآخرة ، وهذا قول أكثر أهل العلم في تفسير الآية المسئول عنها ، أما أهل الكتاب والمجوس فخصوا بقبول الجزية والكف عن قتالهم إذا بذلوها لأسباب اقتضت ذلك ، وفي إلزامهم بالجزية إذلال وصغار لهم ، وإعانة للمسلمين على جهادهم وغيرهم ، وعلى تنفيذ أمور الشريعة ونشر الدعوة الإسلامية في سائر المعمورة ، كما أن في إلزام أهل الكتاب والمجوس بالجزية حملا لهم على الدخول في الإسلام ، وترك ما هم عليه من الباطل والذل والصغار ؛ ليفوزوا بالسعادة والنجاة والعزة في الدنيا والآخرة ، وأرجو أن يكون فيما ذكرنا كفاية وإيضاح لما أشكل عليكم .
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 209)
وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم وسائر المسلمين للفقه في الدين والثبات عليه ، إنه خير مسئول .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

63 - تفسير قوله تعالى: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ سورة البقرة الآية 257
س: قال الله تعالى: سورة البقرة الآية 257 وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ الآية، ما المقصود بـ (النور) في الآية؟
ج: إن الله ولي الذين آمنوا، وناصرهم، ومعينهم، وموفقهم، يخرجهم من الظلمات؛ ظلمات الشرك، وظلمات المعاصي، والبدع، إلى نور التوحيد والحق والإيمان، يعني: بواسطة الرسل، وبواسطة كتبه المنزلة، فكفار قريش، وكفار بني إسرائيل وغيرهم أولياؤهم الطاغوت، والطاغوت الشيطان من الإنس
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 210)
والجن، فالشياطين من الإنس والجن هم أولياء الكفرة يخرجونهم من نور التوحيد والحق إلى ظلمات الشرك والجهل والمعاصي والبدع، فالنور في هذه الآية المقصود به: التوحيد والإيمان والهدى، والظلمات: الشرك والمعاصي والبدع، نسأل الله العافية.

64 - تفسير قول الله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ
سورة البقرة الآية 258
من برنامج نور على الدرب شريط رقم (21) ونشر في المجموع ج 9 ص 279.
س: فسروا لنا قول الحق جل وعلا: سورة البقرة الآية 258 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ؟
ج: هذه الآية واضحة لمن تأملها، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام خليل الرحمن قد بعثه الله إلى قومه يدعوهم إلى توحيد الله
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 211)

وينذرهم الشرك بالله، وكان في زمانه ملك يقال له " النمروذ " يدعي أنه الرب وأنه رب العالمين، وقد منح ملك الأرض فيما ذكروا، فإن الأرض قد ملكها أربعة: كافران وهما: " النمروذ " هذا " وبختنصر " ومسلمان وهما: " ذو القرنين " و" سليمان بن داود" عليهما السلام، فالحاصل أن هذا النمرود كان جبارا عنيدا، وكان يدعي الملك ويدعي أنه رب العالمين، ويدعي أنه يحيي ويميت، فلهذا قال له إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت، قال الخبيث النمروذ: أنا أحيي وأميت، وذكر المفسرون: أنه ذكر لإبراهيم أنه يؤتى بالشخصين يستحقان القتل فيعفو عن واحد ويقتل الآخر، ويزعم أن هذا هو معنى الإحياء والإماتة، يعفو عمن استحق القتل فيقول: أحييته، وهذه مكابرة وتلبيس فليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود أن يخرج من الحجر ومن النطفة ومن الأرض حيا بعد موت، وهذا لا يستطيعه إلا الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يخرج النبات ويحيي النطف حتى تكون حيوانات، فالمقصود أن هذا لا يستطيعه إلا الله ولكنه كابر ولبس، فانتقل معه إبراهيم إلى حجة أوضح للناس وأبين للناس حتى لا يستطيع أن يقول شيئا في ذلك، فبين له عليه الصلاة والسلام أن الله يأتي بالشمس من المشرق، فإن كنت ربا فأت بها من المغرب، فبهت
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 212)
واتضح للناس بطلان كيده وأنه ضعيف مخلوق لا يستطيع أن يأتي بالشمس من المغرب بدلا من المشرق، واتضح للناس ضلاله ومكابرته وصحة ما قاله إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

65 - تفسير قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ سورة البقرة الآية 284
نشر في كتاب (فتاوى إسلامية) جمع محمد المسند ص 71 (قسم التفسير)
س: تحدثني نفسي أحيانا بفعل منكر أو قول سوء، ولكني في أحيان محيرة لا أظهر القول أو الفعل، فهل على إثم في ذلك وما المقصود بقوله عز وجل: سورة البقرة الآية 284 لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ الآية؟
ج: هذه الآية الكريمة نسخها الله سبحانه بقوله سورة البقرة الآية 286 لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا الآية، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله عز وجل قال: "قد فعلت" خرجه مسلم في
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 213)
صحيحه ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخرجه البخاري في صحيحه كتاب (الأيمان والنذور) برقم (6171) ومسلم في صحيحه كتاب (الإيمان) برقم (181) إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسنا ما لم تعمل أو تتكلم متفق على صحته .
وبذلك يعلم أن ما يقع في النفس من الوساوس والهم ببعض السيئات معفو عنه، ما لم يتكلم به صاحبه أو يعمل به، ومتى ترك ذلك خوفا من الله سبحانه كتب الله له بذلك حسنة؛ لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك، والله ولي التوفيق.

66 - كيف نجمع بين قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [ سورة النساء الآية 48 ]، وبين قوله تعالى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ [ سورة طه الآية 82 ]
نشر في مجلة الدعوة العدد 983 في 27 / 6 / 1405 هـ .
س: كيف نجمع بين هاتين الآيتين: سورة النساء الآية 48 إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وقوله تعالى:
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 214)
سورة طه الآية 82 وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ، وهل بينهما تعارض؟
ج: ليس بينهما تعارض فالآية الأولى في حق من مات على الشرك ولم يتب، فإنه لا يغفر له ومأواه النار، كما قال الله سبحانه: سورة المائدة الآية 72 إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ وقال عز وجل: سورة الأنعام الآية 88 وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ والآيات في هذا المعنى كثيرة.
أما الآية الثانية وهي قوله سبحانه: سورة طه الآية 82 وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى فهي في حق التائبين، وهكذا قوله سبحانه: سورة الزمر الآية 53 قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ أجمع العلماء على أن هذه الآية في التائبين، والله ولي التوفيق.

(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 215)
67 -
شرح معنى قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ [ سورة النساء الآية 64 ]
من برنامج على الدرب
س: قال الله تعالى: سورة النساء الآية 64 وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا سورة النساء الآية 65 فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا والسؤال هو: أن بعض المسلمين يأخذون بهذه الآية أنه لا حرج على المسلم أن يذهب ويشد الرحال إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم يسأله أن يستغفر له رسول الله وهو في قبره، فهل هذا العمل صحيح كما قال تعالى، وهل معنى جاءوك باللغة أنه: جاءوك في حياتك أم في موتك؟ وهل يرتد المسلم عن الإسلام إذا لم يحكم سنة رسول الله؟ وهل التاجر على الدنيا أم على الدين؟
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 216)

ج: هذه الآية الكريمة فيها حث الأمة على المجيء إليه إذا ظلموا أنفسهم بشيء من المعاصي، أو وقعوا فيما هو أكبر من ذلك من الشرك أن يجيئوا إليه تائبين نادمين حتى يستغفر لهم عليه الصلاة والسلام، والمراد بهذا المجيء: المجيء إليه في حياته صلى الله عليه وسلم، وهو يدعو المنافقين وغيرهم إلى أن يأتوا إليه ليعلنوا توبتهم ورجوعهم إلى الله، ويطلبوا منه عليه الصلاة والسلام أن يسأل الله أن يقبل توبتهم وأن يصلح أحوالهم؛ ولهذا قال: سورة النساء الآية 64 وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ فطاعة الرسول إنما تكون بإذن الله؛ يعني الإذن الكوني القدري، فمن أذن الله له وأراد هدايته اهتدى، ومن لم يأذن الله في هدايته لم يهتد، الأمر بيده سبحانه، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن سورة التكوير الآية 29 وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أما الإذن الشرعي فقد أذن سبحانه لجميع الثقلين أن يهتدوا، وأراد منهم ذلك شرعا وأمرهم به، كما قال تعالى: سورة البقرة الآية 21 يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وقال سبحانه: سورة النساء الآية 26 يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ثم قال:
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 217)

سورة النساء الآية 64 وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ أي: تائبين نادمين لا مجرد قول، واستغفر لهم الرسول، أي: دعا لهم بالمغفرة، لوجدوا الله توابا رحيما، فهو حث لهم أي للعباد على أن يأتوا للرسول صلى الله عليه وسلم ليعلنوا عنده توبتهم وليسأل الله لهم، وليس المراد بعد وفاته صلى الله عليه وسلم كما يظنه بعض الجهال، فالمجيء إليه بعد موته لهذا الغرض غير مشروع، وإنما يؤتى للسلام عليه لمن كان في المدينة أو وصل إليها من خارجها لقصد الصلاة بالمسجد والقراءة فيه ونحو ذلك، فإذا أتى المسجد سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه، لكن لا يشد الرحل من أجل زيارة القبر فقط، بل من أجل المسجد وتكون الزيارة لقبره صلى الله عليه وسلم، وقبر الصديق ، وعمر رضي الله عنهما تابعة لزيارة المسجد لقوله صلى الله عليه وسلم: أخرجه البخاري في صحيحه كتاب (الجمعة) برقم (1115) ومسلم في صحيحه كتاب (الحج) برقم (2475). لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى ، متفق على صحته ، فالقبور لا تشد إليها الرحال، ولكن متى وصل إلى المسجد النبوي فإنه يشرع له أن يسلم عليه صلى الله عليه وسلم، ويسلم على صاحبيه رضي الله
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 218)
عنهما، لكن لا يشد الرحال من أجل الزيارة فقط للحديث المتقدم.

وأما ما يتعلق بالاستغفار: فهذا يكون في حياته لا بعد وفاته، والدليل على هذا أن الصحابة لم يفعلوا ذلك وهم أعلم الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأفقه الناس في دينه؛ ولأنه عليه السلام لا يملك ذلك بعد وفاته عليه السلام، كما قال صلى الله عليه وسلم: أخرجه مسلم في صحيحه كتاب (الوصية) برقم (3084). إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ، وأما ما أخبر به عليه الصلاة والسلام أن من صلى عليه تعرض صلاته عليه، فذلك شيء خاص يتعلق بالصلاة عليه، ومن صلى عليه صلى الله عليه بها عشرا، وقال عليه الصلاة والسلام: أخرجه الإمام أحمد في مسنده كتاب (أول مسند المدنيين رضي الله عنهم أجمعين) برقم (15575) . أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي " ، قيل: يا رسول الله: كيف وقد أرمت؟ أي بليت.. قال: " إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ، فهذا حكم خاص بالصلاة عليه، وفي الحديث الآخر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: أخرجه الإمام أحمد في مسنده كتاب (مسند المكثرين من الصحابة) برقم (3484). إن لله ملائكة سياحين
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 219)

يبلغوني عن أمتي السلام ، فهذا شيء خاص للرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه يبلغ ذلك، وأما أن يأتي من ظلم نفسه ليتوب عند القبر ويستغفر عند القبر فهذا لا أصل له، بل هو منكر، ولا يجوز وهو وسيلة للشرك، مثل أن يأتي فيسأله الشفاعة أو شفاء المريض أو النصر على الأعداء أو نحو ذلك، أو يسأله أن يدعو له فهذا لا يجوز؛ لأن هذا ليس من خصائصه صلى الله عليه وسلم بعد وفاته ولا من خصائص غيره، فكل من مات لا يدعى ولا طلب منه الشفاعة لا النبي ولا غيره، وإنما الشفاعة تطلب منه في حياته، فيقال: يا رسول الله اشفع لي أن يغفر الله لي، اشفع لي أن يشفي الله مريضي، وأن يرد غائبي، وأن يعطني كذا وكذا، وهكذا يوم القيامة بعد البعث والنشور، فإن المؤمنين يأتون آدم ليشفع لهم إلى الله حتى يقضى بينهم فيعتذر، ويحيلهم إلى نوح فيأتونه فيعتذر، ثم يحيلهم نوح إلى إبراهيم فيعتذر فيحيلهم إبراهيم إلى موسى فيعتذر، ثم يحيلهم موسى إلى عيسى فيعتذر عليهم جميعا الصلاة والسلام، ثم يحيلهم عيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيأتونه، فيقول عليه الصلاة والسلام: صحيح البخاري التوحيد (7072),صحيح مسلم الإيمان (193). أنا لها، أنا لها ، فيتقدم ويسجد تحت العرش
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 220)

ويحمد ربه بمحامد عظيمة يفتحها الله عليه، ثم يقال له: أخرجه البخاري في صحيحه كتاب (تفسير القرآن) برقم (4116)، ومسلم في صحيحه كتاب (الإيمان) برقم (286) . ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع ، فيشفع صلى الله عليه وسلم في أهل الموقف حتى يقضى بينهم، وهكذا يشفع في أهل الجنة حتى يدخلوا الجنة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم موجود، أما في البرزخ بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فلا يسأل الشفاعة، ولا يسأل شفاء المريض ولا رد الغائب ولا غير ذلك من الأمور، وهكذا بقية الأموات لا يسألون شيئا من هذه الأمور، بل يدعى لهم ويستغفر لهم إذا كانوا مسلمين، وإنما تطلب هذه الأمور من الله سبحانه، مثل أن يقول المسلم: اللهم شفع في نبيك عليه الصلاة والسلام، اللهم اشف مريضي، اللهم انصرني على عدوي، ونحو ذلك؛ لأنه سبحانه يقول: سورة غافر الآية 60 ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ويقول عز وجل: سورة البقرة الآية 186 وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ الآية . .، أما قوله تعالى: سورة النساء الآية 65 فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ الآية فهي عامة على ظاهرها، فلا يجوز للمسلمين
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 221)

أن يخرجوا عن شريعة الله، بل يجب عليهم أن يحكموا شرع الله في كل شيء، فيما يتعلق بالعبادات، وفيما يتعلق بالمعاملات، وفي جميع الشؤون الدينية والدنيوية لكونها تعم الجميع، ولأن الله سبحانه يقول: سورة المائدة الآية 50 أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ويقول: سورة المائدة الآية 44 وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ سورة المائدة الآية 45 وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ سورة المائدة الآية 47 وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ فهذه الآيات عامة لجميع الشؤون التي يتنازع فيها الناس ويختلفون فيها، ولهذا قال سبحانه: سورة النساء الآية 65 فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ يعني الناس من المسلمين وغيرهم سورة النساء الآية 65 حَتَّى يُحَكِّمُوكَ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وذلك بتحكيمه صلى الله عليه وسلم حال حياته وتحكيم سنته بعد وفاته، فالتحكيم لسنته هو التحكيم لما أنزل من القرآن والسنة سورة النساء الآية 65 فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ أي: فيما تنازعوا فيه، هذا هو الواجب عليهم أن يحكموا القرآن الكريم، والرسول صلى الله عليه وسلم في حياته
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 222)

وبعد وفاته باتباع سنته التي هي بيان القرآن الكريم وتفسير له ودلالة على معانيه، أما قوله سبحانه: سورة النساء الآية 65 ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا فمعناه: أنه يجب أن تنشرح صدورهم لحكمه صلى الله عليه وسلم، وألا يبقى في صدورهم حرج مما قضى بحكمه عليه الصلاة والسلام؛ لأن حكمه هو الحق الذي لا ريب فيه وهو حكم الله عز وجل، فالواجب التسليم له وانشراح الصدر بذلك وعدم الحرج، بل عليهم أن يسلموا لذلك تسليما كاملا رضا بحكم الله واطمئنانا إليه، هذا هو الواجب على جميع المسلمين فيما شجر بينهم من دعاوى وخصومات، سواء كانت متعلقة بالعبادات أو بالأموال أو بالأنكحة أو الطلاق أو بغيرها من شؤونهم.
وهذا الإيمان المنفي هو أصل الإيمان بالله ورسوله بالنسبة إلى تحكيم الشريعة والرضا بها والإيمان بأنها الحكم بين الناس، فلا بد من هذا، فمن زعم أنه يجوز الحكم بغيرها، أو قال: إنه يجوز أن يتحاكم الناس إلى الآباء أو إلى الأجداد أو إلى القوانين الوضعية التي وضعها الرجال سواء كانت شرقية أو غربية، فمن زعم أن هذا يجوز فإن الإيمان منتف عنه، ويكون بذلك كافرا كفرا أكبر، فمن رأى أن شرع الله لا يجب تحكيمه ولكن لو حكم كان
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 223)
أفضل، أو رأى أن القانون أفضل، أو رأى أن القانون يساوي حكم الله فهو مرتد عن الإسلام، وهي ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يقول: إن الشرع أفضل ولكن لا مانع من تحكيم غير الشرع.
النوع الثاني: أن يقول: إن الشرع والقانون سواء ولا فرق.
النوع الثالث: أن يقول: إن القانون أفضل وأولى من الشرع، وهذا أقبح الثلاثة، وكلها كفر وردة عن الإسلام.

أما الذي سرى أن الواجب تحكيم شرع الله، وأنه لا يجوز تحكيم القوانين ولا غيرها مما يخالف شرع الله، ولكنه قد يحكم بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه ضد المحكوم عليه، أو لرشوة، أو لأمور سياسية، أو ما أشبه ذلك من الأسباب وهو يعلم أنه ظالم ومخطئ ومخالف للشرع، فهذا يكون ناقص الإيمان، وقد انتفى في حقه كمال الإيمان الواجب، وهو بذلك يكون كافرا كفرا أصغر، وظالما ظلما أصغر، وفاسقا فسقا أصغر، كما صح معنى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وجماعة من السلف رحمهم الله، وهو قول أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن سلك سبيلهم، والله المستعان.
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 224)
68 - الجمع بين قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [ سورة النساء الآية 48 ] ، وقوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [ سورة النساء الآية 93 ]
من برنامج نور على الدرب، وشريط رقم 11، ونشر في المجموع ج 9 ص 380 ،
س: قال عز وجل: سورة النساء الآية 48 إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وقال تعالى: سورة النساء الآية 93 وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا الآية أرجو من فضيلة الشيخ أن يذكر الجمع بين الآيتين الكريمتين؟
ج: ليس هناك بحمد الله بينهما اختلاف، فالآية الأولى فيها بيانه سبحانه لعباده أن ما دون الشرك تحت مشيئته قد يغفره فضلا منه سبحانه، وقد يعاقب من مات على معصية بقدر معصيته لانتهاكه حرمات الله ولتعاطيه ما يوجب غضب الله، أما المشرك، فإنه لا يغفر له بل له النار مخلدا فيها أبد الآباد إذا مات على ذلك- نعوذ بالله من ذلك-.
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 225)
وأما الآية الثانية:

ففيها الوعيد لمن قتل نفسا بغير حق وأنه يعذب، وأن الله يغضب عليه بذلك، ولهذا قال تعالى: سورة النساء الآية 93 وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا معنى ذلك: أن هذا هو جزاؤه إن جازاه سبحانه وهو مستحق لذلك، وإن عفا سبحانه فهو أهل العفو وأهل المغفرة جل وعلا، وقد يعذب بما ذكر الله مدة من الزمن في النار ثم يخرجه الله من النار، وهذا الخلود خلود مؤقت، ليس كخلود الكفار، فإن الخلود خلودان: خلود دائم أبدا لا ينتهي، وهذا هو خلود الكفار في النار، كما قال الله سبحانه في شأنهم: سورة البقرة الآية 167 كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ هكذا في سورة البقرة، وقال في سور المائدة: سورة المائدة الآية 37 يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ أما العصاة: كقاتل النفس بغير حق والزاني والعاق لوالديه وآكل الربا وشارب المسكر إذا ماتوا على هذه المعاصي وهم مسلمون، وهكذا
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 226)
أشباههم هم تحت مشيئة الله كما قال سبحانه: سورة النساء الآية 48 وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فإن شاء جل وعلا عفا عنهم لأعمالهم الصالحة التي ماتوا عليها وهي توحيده وإخلاصهم لله وكونهم مسلمين أو بشفاعة من الشفعاء فيهم مع توحيدهم وإخلاصهم.

وقد يعاقبهم سبحانه ولا يحصل لهم عفو فيعاقبون بإدخالهم النار وتعذيبهم فيها على قدر معاصيهم ثم يخرجون منها، كما تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه يشفع للعصاة من أمته، وأن الله يحد له حدا في ذلك عدة مرات، يشفع ويخرج جماعة بإذن الله ثم يعود فيشفع، ثم يعود فيشفع، ثم يعود فيشفع عليه الصلاة والسلام (أربع مرات) وهكذا الملائكة، وهكذا المؤمنون وهكذا الأفراط كلهم يشفعون ويخرج الله سبحانه من النار بشفاعتهم من شاء سبحانه وتعالى، ويبقي في النار بقية من العصاة من أهل التوحيد والإسلام فيخرجهم الرب سبحانه بفضله ورحمته بدون شفاعة أحد، ولا يبقى في النار إلا من حكم عليه القرآن بالخلود الأبدي وهم الكفار.
وبهذا تعلم السائلة الجمع بين الآيتين وما جاء في معناهما من النصوص، وأن أحاديث الوعد بالجنة لمن مات على الإسلام
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 227)
على عمومها إلا من أراد الله تعذيبه بمعصيته فهو سبحانه الحكيم العدل في ذلك يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد جل وعلا.
ومنهم من لا يعذب فضلا من الله لأسباب كثيرة من أعمال صالحة، ومن شفاعة الشفعاء، وفوق ذلك رحمته وفضله سبحانه وتعالى لمن بقي في النار من العصاة.

69 - تفسير قوله الله تعالى : لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ سورة النساء الآية 105
نور على الدرب شريط 33.
س: قال الله تعالى سورة النساء الآية 105 لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ هل معنى هذا أن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بكتاب الله، ولا يجتهد رأيه فيما لم ينزل عليه كتاب؟ وهل اجتهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
ج: الله جل وعلا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بين الناس بما أنزل الله عليه، قال سبحانه: سورة المائدة الآية 49 وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 228)
فكان يحكم بما أنزل الله، فإذا لم يكن هناك نص عنده اجتهد عليه الصلاة والسلام وحكم بما عنده من الأدلة الشرعية، كما قال في الحديث الصحيح: أخرجه مسلم في كتاب (الأقضية) برقم (3232) . إنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما قطع له قطعة من النار فليحملها أو يذرها ، متفق على صحته من حديث أم سلمة رضي الله عنها ، ومعنى هذا أنه قد يجتهد في الحكم حسب القواعد الشرعية ؛ لأنه لم ينزل عليه فيه شيء ، فمن عرف أن الحكم ليس بمطابق وأن الشهود زور فقد أخذ قطعة من النار، فليحذر ذلك وليتق الله في نفسه، ولو كان الرسول هو الحاكم عليه، لأن الحاكم ليس له إلا الظاهر من ثقة الشهود وعدالتهم، أو يمين المدعي عليه، فإذا كان المدعو أحضر شهودا علم أنهم قد غلطوا ولو كانوا تقاة وأن الحق ليس له، أو يعلم أنهم شهود زور ولكن القاضي اعتبرهم عدولا، لأنهم عدلوا عنده وزكوا لديه، فإن هذا المال الذي يحكم به له أو القصاص كله باطل بالنسبة إليه لعلمه ببطلانه، وهو قد تعدى حدود الله
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 229)

وظلم، وإن حكم له القاضي ليس له إلا الظاهر؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: صحيح البخاري المظالم والغصب (2326),صحيح مسلم الأقضية (1713),سنن الترمذي الأحكام (1339),سنن النسائي آداب القضاة (5422),سنن أبو داود الأقضية (3583),سنن ابن ماجه الأحكام (2317),مسند أحمد بن حنبل (6/320),موطأ مالك الأقضية (1424). فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار ، والنبي صلى الله عليه وسلم يحكم بما أنزل الله فيما أوصاه الله إليه، وما لم يكن فيه نص اجتهد فيه عليه الصلاة والسلام حتى تتأسى به الأمة، وهو في ذلك كله يعتبر حاكما بما أنزل الله لكونه حكم بالقواعد الشرعية التي أمر الله أن يحكم بها، ولهذا قال للزبير بن العوام رضي الله عنه لما ادعى على شخص في أرض: صحيح البخاري الشهادات (2525). شاهداك أو يمينه ، فقال الزبير : إذا يحلف يا رسول الله ولا يبالي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس لك إلا ذلك متفق عليه ، أخرجه أبو داود في كتاب (الأقضية) برقم (3119)، وأحمد في (مسند الأنصار رضي الله عنهم) برقم (21000، 21084) . ولما بعث معاذا وفدا إلى اليمن قال له: "إن عرض لك قضاء فبم تحكم" ؟ قال: أحكم بكتاب الله، قال: فإن لم تجد"، قال: فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "فإن لم تجد"، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضربه صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ، رواه الإمام أحمد وجماعة بإسناد حسن .
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 230)
70 -
شرح معنى قوله تعالى : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [ سورة النساء الآية 145 ]
س: لقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: سورة النساء الآية 145 إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ما المقصود بالمنافقين والنفاق في هذه الآية الكريمة، وأرجو أن تتفضلوا بإيضاح المعنى؟
ج: المراد بالمنافقين هم: الذين يتظاهرون بالإسلام وهم على غير الإسلام يدعون أنهم مسلمون وهم في الباطن يكفرون بالله ويكذبون الرسول عليه الصلاة والسلام، هؤلاء هم المنافقون سموا منافقين؛ لأنهم أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، كما في قوله عز وجل: سورة البقرة الآية 8 وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ سورة البقرة الآية 9 يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ سورة البقرة الآية 10 فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا (أي شك وريب) سورة البقرة الآية 10 وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ والآيات بعدها من سورة البقرة.
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 231)
هؤلاء هم المنافقون وهم يكفرون بالله ويكذبون رسله في قوله جل وعلا: سورة النساء الآية 142 إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا سورة النساء الآية 143 مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ

والمعنى: أنهم مترددون بين الكفار والمسلمين تارة مع الكفار إذا ظهر الكفار وانتصروا، وتارة مع المؤمنين إن ظهروا وانتصروا، فليس عندهم ثبات ولا دين مستقيم ولا إيمان ثابت، بل هم مذبذبون بين الكفر والإيمان وبين الكفار والمسلمين، وقد صرح الله بكفرهم في قوله تعالى: سورة التوبة الآية 54 وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ سورة التوبة الآية 55 فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ هؤلاء هم المنافقون، نسأل الله العافية والسلامة.
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 232)





71 -
تفسير قوله تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ سورة الأعراف الآية 99
س: ما معنى قول الحق تبارك وتعالى: سورة الأعراف الآية 99 أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ .
ج: هذه الآية العظيمة يحذر الله فيها سبحانه عباده من الأمن من مكره فيقول سبحانه: سورة الأعراف الآية 99 أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ المقصود من هذا: تحذير العباد من الأمن من مكره بالإقامة على معاصيه والتهاون بحقه، والمراد من مكر الله بهم كونه يملي لهم ويزيدهم من النعم والخيرات وهم مقيمون على معاصيه وخلاف أمره، فهم جديرون بأن يؤخذوا على غفلتهم ويعاقبوا على غرتهم؛ بسبب إقامتهم على معاصيه، وأمنهم من عقابه وغضبه، كما قال سبحانه: سورة الأعراف الآية 182 سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ سورة الأعراف الآية 183 وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ وقال عز وجل: سورة الأنعام الآية 110 وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ وقال سبحانه:
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 233)
سورة الأنعام الآية 44 فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ أي: آيسون من كل خير.
فالواجب على المسلمين ألا يقنطوا من رحمة الله ولا يأمنوا من مكره وعقوبته، بل يجب على كل مسلم أن يسير إلى الله سبحانه في هذه الدنيا الدار الفانية بين الخوف والرجاء، فيذكر عظمته وشدة عقابه إذا خالف أمره فيخافه ويخشى عقابه، ويذكر رحمته وعفوه ومغفرته وجوده وكرمه فيحسن به الظن، ويرجو كرمه وعفوه، والله الموفق سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه.

72 - تفسير قوله تعالى : بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ سورة التوبة الآية 1 ]
س: سائل يسأل عن تفسير قوله تعالى: سورة التوبة الآية 1 بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .
ج: هذه الآية نزلت في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى بعض
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 234)
المشركين عهدا معلوما، وبعضهم بينه وبينهم عهد مطلق، وبعضهم لا عهد له، فأنزل الله هذه الآية فيها البراءة من المشركين، وفيها نبذ العهود إليهم؛ ولهذا قال سبحانه: سورة التوبة الآية 1 بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ سورة التوبة الآية 2 فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ الآية.
فالله سبحانه أمر رسوله أن يتبرأ منهم، ومن كان له عهد فهو إلى مدته، ومن كان عهده مطلقا أو لا عهد له جعله الله له أربعة أشهر، وبعث الصديق رضي الله عنه، وعليا رضي الله عنه ومن معهما في عام تسع من الهجرة ينادون في الموسم: من كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد أو له عهد مطلق فله أربعة أشهر، بعدها يكون حربا للرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن يدخلوا في الإسلام، هذا هو معنى الآية عند أهل العلم.

(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 235)
73 -
تفسير قوله تعالى : إلا الذين عاهدتم من المشركين
س: سائل يسأل عن: تفسير الآية الرابعة من سورة التوبة: سورة التوبة الآية 4 إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ؟ نشر في هذا المجموع ج 8 ص 290.
ج: الذين لهم عهد، أمر الله رسوله أن يتم عهدهم لهم، ما لم يغيروا أو ينقضوا العهد أو يظاهروا أعداء المسلمين، فإن ظاهروهم وجب قتالهم، وإن نقضوا العهد فكذلك، ولذلك لما ساعدت قريش بني بكر على خزاعة انتقض عهد قريش وبني بكر ، وحاربهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، ودخل مكة وفتحها عنوة عام ثمان من الهجرة، لنقضهم العهد؛ لأن خزاعة كانت في حلف النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت بنو بكر في حلف قريش وعهدهم، فهجدت بنو بكر خزاعة ، يعني: تعدت عليهم، وأتوهم بغتة - أي: فجاءة - وقاتلوهم وهم في حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستنجدوا بالرسول صلى الله عليه
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 236)
وسلم وطلبوا منه أن ينصرهم ووعدهم النصر، وكانت قريش قد ساعدتهم بالمال والسلاح، فلهذا غزاهم النبي صلى الله عليه وسلم وفتح الله عليه مكة لنقضهم العهد، وكان قد عاهدهم عشر سنين، فلما نقضوا العهد بمساعدتهم بني بكر انتقض عهدهم، وغزاهم النبي صلى الله عليه وسلم وفتح الله عليه.

74 - تفسير قوله تعالى : فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ سورة التوبة الآية 76 ]
س: من الآية رقم 76 إلى الآية 78 من سورة التوبة، إن أمكن تفسير مركز للآيات.
وهل ينطبق ذلك على عبد قد عاهد الله على ترك معصية ما، وأغلظ في القول بأن يسخط الله ويغضب عليه إن هو عاد إليها؟
ج: الآيات المشار إليها، وهي قوله تعالى في حق المنافقين: سورة التوبة الآية 76 فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ سورة التوبة الآية 77 فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ سورة التوبة الآية 78 أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 237)
هي دالة على أن من عاهد الله أن يفعل شيئا ثم أخلف عهده أنه بذلك قد تخلق بأخلاق المنافقين، وأنه على خطر عظيم من أن يعاقب بالنفاق في قلبه جزاء له على إخلافه الوعد وكذبه، وهو سبحانه بذلك يحذر عباده من أخلاق المنافقين، ويحثهم سبحانه على الصدق والوفاء بالعهود، وأوضح لهم سبحانه أنه يعلم سرهم ونجواهم، ولا يخفى عليه شأن من شيء ونهم، وهذا لا يمنع التوبة، فمن تاب إلى الله سبحانه توبة نصوحا تاب الله عليه من جميع الذنوب، سواء كان كفرا أو نفاقا أو دونهما، كما قال سبحانه: سورة طه الآية 82 وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى وقال عز وجل: سورة النور الآية 31 وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وقال سبحانه: سورة الزمر الآية 53 قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 238)
وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية في التائبين.
وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أخرجه ابن ماجه برقم (4240) كتاب (الزهد) باب ذكر التوبة. التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وصح أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: أخرجه الإمام أحمد برقم (17145) كتاب (مسند الشاميين) بلفظ: (إن الإسلام يجب ما كان قبله وإن الهجرة تجب ما كان قبلها). الإسلام يهدم ما كان قبله، والتوبة تهدم ما كان قبلها .

75 - تفسير قوله تعالى : أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ سورة يونس الآية 99 ]
وقوله تعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [ سورة البقرة الآية 256 ]
س: يقول بعض الزملاء: من لم يدخل الإسلام يعتبر حرا لا يكره على الإسلام، ويستدل بقوله تعالى: سورة يونس الآية 99 أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وقوله تعالى: سورة البقرة الآية 256 لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 239)
فما رأي سماحتكم في هذا؟ من برنامج نور على الدرب.
ج: هاتان الآيتان الكريمتان والآيات الأخرى التي في معناهما بين العلماء أنها في حق من تؤخذ منهم الجزية كاليهود والنصارى والمجوس ، لا يكرهون، بل يخيرون بين الإسلام وبين بذل الجزية، وقال آخرون من أهل العلم: إنها كانت في أول الأمر ثم نسخت بأمر الله سبحانه بالقتال والجهاد، فمن أبى الدخول في الإسلام وجب جهاده مع القدرة حتى يدخل في الإسلام أو يؤدي الجزية إن كان من أهلها، فالواجب إلزام الكفار بالإسلام إذا كانوا لا يؤخذ منهم الجزية، لأن إسلامهم فيه سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، فإلزام الإنسان بالحق الذي فيه الهدى والسعادة خير له من الباطل، كما يلزم الإنسان بالحق الذي عليه لبني آدم ولو بالسجن أو بالضرب، فإلزام الكفار بتوحيد الله والدخول في دين الإسلام أولى وأوجب، لأن فيه سعادتهم في العاجل والآجل إلا إذا كانوا من أهل الكتاب كاليهود والنصارى أو المجوس ، فهذه الطوائف الثلاث جاء الشرع بأنهم يخيرون، فإما أن يدخلوا في الإسلام وإما أن يبذلوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وذهب بعض أهل العلم إلى إلحاق غرهم بهم في التخيير بين الإسلام والجزية،

(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 240)
والأرجح أنه لا يلحق بهم غيرهم، بل هؤلاء الطوائف الثلاث هم الذين يخيرون؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قاتل الكفار في الجزيرة ولم يقبل منهم إلا الإسلام، قال تعالى: سورة التوبة الآية 5 فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ و لم يقل: أو أدوا الجزية، فاليهود والنصارى والمجوس يطالبون بالإسلام، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا وجب على أهل الإسلام قتالهم، إن استطاعوا ذلك، يقول عز وجل: سورة التوبة الآية 29 قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ
ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ الجزية من المجوس ، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم أنهم أخذوا الجزية من غير الطوائف الثلاث المذكورة، والأصل في هذا قوله تعالى: سورة البقرة الآية 193 وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ وقوله سبحانه:
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 241)
سورة التوبة الآية 5 فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وهذه الآية تسمى آية السيف، وهي وأمثالها هي الناسخة للآيات التي فيها عدم الإكراه على الإسلام، والله الموفق.

76 - تفسير قوله تعالى : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا سورة هود الآية 6
س: الأخ إ. ع. ز. من بانياس الساحل في سوريا يقول في سؤاله: قال الله تعالى: سورة هود الآية 6 وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وهذا يعني أنه سبحانه ألزم نفسه بنفسه إطعام كل ما يدب على هذه الأرض من إنسان أو حيوان أو حشرات إلخ، فبماذا نفسر المجاعة التي تجتاح بلدان قارة أفريقيا ؟ السؤال من الأخ إ. ع. ز. من سوريا ونشر في هذا المجموع ج 6 ص 196، وفي المجلة العربية .

(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 242)
ج: الآية على ظاهرها، وما يقدر الله سبحانه من الكوارث والمجاعات لا تضر إلا من تم أجله وانقطع رزقه، أما من كان قد بقي له حياة أو رزق فإن الله يسوق له رزقه من طرق كثيرة قد يعلمها وقد لا يعلمها، لقوله سبحانه: سورة الطلاق الآية 2 وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا سورة الطلاق الآية 3 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وقوله: سورة العنكبوت الآية 60 وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها أخرجه الإمام مالك في (الموطأ) كتاب (الجامع) باب: ما جاء في أهل القدر. ، وقد يعاقب الإنسان بالفقر وحرمان الرزق لأسباب فعلها من كسل وتعطيل للأسباب التي يقدر عليها، أو لفعله المعاصي التي نهاه الله عنها، كما قال الله سبحانه: سورة النساء الآية 79 مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ الآية، وقال عز وجل: سورة الشورى الآية 30 وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ الآية، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أخرجه أحمد في (باقي مسند الأنصار) من حديث ثوبان رضي الله عنه برقم (21352). إن العبد
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 243)
ليحرم الرزق بالذنب يصيبه رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه بإسناد جيد. .

وقد يبتلى العبد بالفقر والمرض وغيرهما من المصائب لاختبار شكره وصبره لقول الله سبحانه: سورة البقرة الآية 155 وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ سورة البقرة الآية 156 الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ وقوله عز وجل: سورة الأعراف الآية 168 وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ والمراد بالحسنات في هذه الآية النعم، وبالسيئات المصائب، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: أخرجه مسلم في صحيحه كتاب (الزهد والرقائق) باب: أمره كله خير برقم (5318). عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وبالله التوفيق.
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 244)
77 -
تفسير الآيات 106 - 108 من سورة هود
س: أرجو شرح معنى هذه الآية وبيان القول الراجح في تفسيرها , يقول الله تعالى : سورة هود الآية 106 فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ سورة هود الآية 107 خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ سورة هود الآية 108 وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ هل يفهم من هذا أن من دخل الجنة يخرج منها إذا شاء الله ؟ وهل نسخت هاتان الآيتان بشيء من القرآن إذ أنهما وردتا في سورة مكية ؟ من برنامج (نور على الدرب) رقم الشريط (22) ونشر في هذا المجموع ج4 ص361 . . .
ج : الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله , وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه . أما بعد : فالآيتان ليستا منسوختين بل هما محكمتان , وقوله جل وعلا : سورة هود الآية 108 إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ اختلف أهل العلم في بيان معنى ذلك , مع إجماعهم بأن نعيم أهل الجنة دائم أبدا لا ينقضي ولا يزول ولا يخرجون منها , ولهذا قال بعده
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 245)

سبحانه : سورة هود الآية 108 عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ لإزالة ما قد يتوهم بعض الناس أن هناك خروجا , فهم خالدون فيها أبدا , وأن هذا العطاء غير مجذوذ أي غير مقطوع , ولهذا في الآيات الأخرى يبين هذا المعنى فيقول سبحانه : سورة الحجر الآية 45 إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ سورة الحجر الآية 46 ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ فبين سبحانه أنهم آمنون - أي آمنون من الموت وآمنون من الخروج وآمنون من الأمراض والأحزان وكل كدر - ثم قال سبحانه وتعالى : سورة الحجر الآية 47 وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ سورة الحجر الآية 48 لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ فبين سبحانه أنهم فيها دائمون لا يخرجون ، وقال عز وجل : سورة الدخان الآية 51 إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ سورة الدخان الآية 52 فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ سورة الدخان الآية 53 يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ سورة الدخان الآية 54 كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ سورة الدخان الآية 55 يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ سورة الدخان الآية 56 لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ سورة الدخان الآية 57 فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فأخبر سبحانه أن أهل الجنة في مقام أمين لا يعترضهم خوف ولا زوال نعمة وأنهم آمنون أيضا , فلا خطر عليهم من موت ولا مرض ولا خروج منها
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 246)
ولا حزن ولا غير ذلك من المكدرات , وأنهم لا يموتون أبدا , ومعنى ذلك أن أهل الجنة يخلدون فيها أبد الآباد .

وقوله : سورة هود الآية 107 إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ قال بعض أهل العلم : معناه : مدة بقائهم بالقبور وإن كان المؤمن في روضة من رياضها ونعيم من نعيمها , لكن ذلك ليس هو الجنة , ولكن هو شيء من الجنة , فيفتح على المؤمن في قبره باب إلى الجنة يأتيه من ريحها وطيبها ونعيمها ولكنه ليس المحل الجنة، بل ينقل إليها بعد ذلك إلى الجنة فوق السماوات في أعلى شيء , وقال بعضهم : معنى سورة هود الآية 107 إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ أي مدة مقامهم في موقف القيامة للحساب والجزاء بعد خروجهم من القبور ثم ينقلون بعد ذلك إلى الجنة .
وقال بعضهم : المراد جميع الأمرين مدة مقامهم في القبور ومدة مقامهم في الموقف ومرورهم على الصراط كل هذه الأوقات هم فيها ليسوا في الجنة، لكن ينقلون منها إلى الجنة، وقوله : سورة هود الآية 107 إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ يعني إلا وقت مقامهم في القبور , وإلا وقت مقامهم في الموقف، وإلا وقت مرورهم على الصراط فهم في هذه الحالة ليسوا في الجنة ولكنهم منقولون إليها وسائرون إليها , وبهذا يعلم أن الأمر واضح ليس فيه شبهة ولا شك ولا ريب فالحمد لله.
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 247)
فأهل الجنة ينعمون فيها وخالدون أبد الآباد ، لا موت ولا مرض , ولا خروج , ولا كدر , ولا حزن , ولا حيض , ولا نفاس , ولا شيء من الأذى أبدا , بل في نعيم دائم وخير دائم .
وهكذا أهل النار مخلدون فيها أبد الآباد ولا يخرجون منها ولا تخرب أيضا هي، بل تبقى وهم باقون فيها .

وقوله : سورة هود الآية 107 إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ قيل: مدة مقامهم في المقابر , أو مدة مقامهم في الموقف كما تقدم في أهل الجنة , وهم بعد ذلك يساقون إلى النار ويخلدون فيها أبد الآباد ونسأل الله العافية , وكما قال عز وجل في سورة البقرة : سورة البقرة الآية 167 كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ وقال عز وجل في سورة المائدة في حق الكفرة : سورة المائدة الآية 37 يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ وقال بعض السلف : إن النار لها أمد ولها نهاية بعدما يمضي عليها آلاف السنين والأحقاب الكثيرة وأنهم يموتون أو يخرجون منها، وهذا قول ليس بشيء عند جمهور أهل السنة والجماعة، بل هو باطل ترده الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 248)
كما تقدم ، وقد استقر قول أهل السنة والجماعة أنها باقية أبد الآباد وأنهم لا يخرجون منها وأنها لا تخرب أيضا , بل هي باقية أبد الآباد في ظاهر القرآن الكريم وظاهر السنة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام , ومن الأدلة على ذلك مع ما تقدم قوله سبحانه في شأن النار : سورة الإسراء الآية 97 كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا وقوله سبحانه في سورة النبأ يخاطب أهل النار : سورة النبأ الآية 30 فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا نسأل الله السلامة والعافية منها ومن حال أهلها


78 - تفسير قوله تعالى : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ سورة يوسف الآية 106
س: يقول الله تعالى : سورة يوسف الآية 106 وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ فما معنى الآية ؟ وما المراد بالشرك في الآية الكريمة ؟ نشر في مجلة ( الدعوة )في العدد (1483) بتاريخ 15/ 10/ 1415هـ .
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 249)
ج: قد أوضح العلماء معناها كابن عباس وغيره.
وإن معناها: أن المشركين إذا سئلوا عمن خلق السماوات والأرض ومن خلقهم، يقولون: الله، وهم مع هذا يعبدون الأصنام والأوثان، كاللات، والعزى، ونحوهما، ويستغيثون بها، وينذرون ويذبحون لها.
فإيمانهم هذا هو: توحيد الربوبية، ويبطل ويفسد بشركهم بالله تعالى ولا ينفعهم، فأبو جهل وأشباهه يؤمنون بأن الله خالقهم ورازقهم وخالق السماوات والأرض ولكن لم ينفعهم هذا الإيمان؛ لأنهم أشركوا بعبادة الأصنام والأوثان، هذا هو معنى الآية عند أهل العلم.

79 - تفسير قوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
س: ما تفسير قول الحق تبارك وتعالى في سورة الرعد: سورة الرعد الآية 11 إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ من برنامج (نور على الدرب) الشريط الثالث عشر، ونشر في هذا المجموع ج 9 ص 297. ؟
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 250)
ج: الآية الكريمة آية عظيمة تدل على أن الله تبارك وتعالى بكمال عدله وكمال حكمته لا يغير ما بقوم من خير إلى شر، ومن شر إلى خير ومن رخاء إلى شدة، ومن شدة إلى رخاء حتى يغيروا ما بأنفسهم، فإذا كانوا في صلاح واستقامة وغيروا غير الله عليهم بالعقوبات والنكبات والشدائد والجدب والقحط والتفرق وغير هذا من أنواع العقوبات جزاء وفاقا، قال سبحانه: سورة فصلت الآية 46 وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وقد يمهلهم سبحانه ويملي لهم ويستدرجهم لعلهم يرجعون ثم يؤخذون على غرة كما قال سبحانه: سورة الأنعام الآية 44 فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ يعني: آيسون من كل خير، نعوذ بالله من عذاب الله ونقمته، وقد يؤجلون إلى يوم القيامة فيكون عذابهم أشد كما قال سبحانه: سورة إبراهيم الآية 42 وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ والمعنى: أنهم يؤجلون ويمهلون إلى ما بعد الموت، فيكون ذلك أعظم في العقوبة وأشد نقمة.
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 251)

وقد يكونون في شر وبلاء ومعاص ثم يتوبون إلى الله ويرجعون إليه ويندمون ويستقيمون على الطاعة فيغير الله ما بهم من بؤس وفرقة ومن شدة وفقر إلى رخاء ونعمة واجتماع كلمة وصلاح حال بأسباب أعمالهم الطيبة وتوبتهم إلى الله سبحانه وتعالى وقد جاء في الآية الأخرى: سورة الأنفال الآية 53 ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فهذه الآية تبين لنا أنهم إذا كانوا في نعمة ورخاء وخير ثم غيروا بالمعاصي غير عليهم - ولا حول ولا قوة إلا بالله - وقد يمهلون كما تقدم والعكس كذلك إذا كانوا في سوء ومعاص أو كفر وضلال ثم تابوا وندموا واستقاموا على طاعة الله غير الله حالهم من الحالة السيئة إلى الحالة الحسنة، وغير تفرقهم إلى اجتماع ووئام، وغير شدتهم إلى نعمة وعافية ورخاء، وغر حالهم من جدب وقحط وقلة مياه، ونحو ذلك إلى إنزال الغيث ونبات الأرض وغير ذلك من أنواع الخير.
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 252)
80 -
كيف الجمع بين قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [ سورة الرعد الآية 11 ] وبين أن القوم لا يستطيعون أن يغيروا ما كتب لهم
س: ما هو تفسير قوله تعالى: سورة الرعد الآية 11 إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وتقول السائلة: مع أن الله هو الذي خلق الأنفس وهو الذي يتحكم بتغييرها فكيف يستطيع القوم أن يغيروا ما بأنفسهم ويغيروا ما كتب عليهم، أرجو التفضل بالشرح الوافي حول هذا الموضوع وجزاكم الله خيرا؟ السؤال من (برنامج نور على الدرب).
ج: الله سبحانه هو مدبر الأمور وهو مصرف العبادة كما يشاء سبحانه وتعالى وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، وهو سبحانه قد شرح لعباده الأسباب التي تقربهم منه وتسبب رحمته وإحسانه إليهم، ونهاهم عن الأسباب التي تسبب غضبه عليهم وبعدهم منه وحلول العقوبات بهم وهم مع ذلك لا يخرجون عن قدره، بفعل الأسباب التي شرعها لهم والتي نهاهم عنها، وهم بذلك لا يخرجون عن قدره سبحانه فالله أعطاهم عقولا وأعطاهم

(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 253)
أدوات وأعطاهم أسبابا يستطيعون بها أن يتحكموا فيما يريدون من جلب خير ودفع شر ، وهم بهذا لا يخرجون عن مشيئته كما قال تعالى : سورة التكوير الآية 28 لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ سورة التكوير الآية 29 وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا ، مسند أحمد بن حنبل (3/304). قالوا له : يا رسول الله ، إن كان ما نفعله قد كتب علينا وفرغ منه ففيم العمل ؟ قال عليه الصلاة والسلام : اعملوا فكل ميسر لما خلق له . أما أهل السعادة فييسرون لعمل السعادة ، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ، ثم تلا عليه الصلاة والسلام قوله تعالى : سورة الليل الآية 5 فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى سورة الليل الآية 6 وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى سورة الليل الآية 7 فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى سورة الليل الآية 8 وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى سورة الليل الآية 9 وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى سورة الليل الآية 10 فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى هكذا قوله جل وعلا : سورة الرعد الآية 11 إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 254)

فأمره نافذ سبحانه وتعالى لكنه جل وعلا يغير ما بالناس إذا غيروا ، فإذا كانوا على طاعة واستقامة ثم غيروا إلى المعاصي غير الله حالهم من الطمأنينة والسعادة واليسر والرخاء إلى غير ذلك ، وقد يملي لهم سبحانه ويتركهم على حالهم استدراجا ، ثم يأخذهم على غرة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، كما قال تعالى : سورة إبراهيم الآية 42 وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ وقال سبحانه : سورة الأنعام الآية 44 فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ
فالواجب الحذر ، وعلى المؤمن أن يتقي الله ويسعى في الحق ، وأن يستقيم عليه ، وألا يحيد عنه إلى الباطل ، فإنه متى حار عنه إلى الباطل فقد تعرض لغضب الله أن يغير قلبه ، وأن يغير ما به من نعمة إلى ضدها من جدب وقحط وفقر وحاجة وغير ذلك ، وهكذا بعد الصحة إلى المرض ، وهكذا بعد الأمن إلى الخوف إلى غير ذلك بأسباب الذنوب والمعاصي ، وهكذا العكس إذا كانوا في معاص وشرور وانحراف ثم توجهوا إلى الحق وتابوا إلى الله ورجعوا إليه
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 255)

واستقاموا على دينه ، فإن الله يغير ما بهم سبحانه من الخوف والفقر والاختلاف والتشاحن إلى أمن وعافية واستقامة إلى رخاء ، وإلى محبة وإلى تعاون وإلى تقارب ، فضلا منه سبحانه ، ومن هذا قوله تعالى : سورة الأنفال الآية 53 ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ فالعبد عنده أسباب ، وعنده عمل ، وعنده إرادة ، وعنده مشيئة ، ولكنه بذلك لا يخرج عن قدر الله ومشيئته . فالواجب عليه أن يستعمل ما استطاع في طاعة الله ورسوله ، وأن يستقيم على ما أمره الله به ، وأن يحذر ما نهى الله عنه ورسوله عليه الصلاة والسلام ، وأن يسأل ربه العون والتوفيق ، والله سبحانه هو المتفضل ، وهو الموفق ، وهو الهادي جل وعلا ، وله الفضل ، وله النعمة ، وله الإحسان ، سبحانه وتعالى بيده الفضل ، وبيده توفيق العباد ، وبه هدايتهم ، وبيده إضلالهم ، يهدي من يشاء ويضل من يشاء سبحانه .
والخلاصة : أن العبد له أسباب وأعمال ، والله أعطاه أدوات يعرف بها الضار والنافع ، والخير والشر ، فإذا استعمل عقله وأسبابه في الخير جازاه الله على ذلك بالخير العظيم ، وأدر عليه نعمه ، وجعله في نعمة وعافية بعدما كان في سوء وشر - فإذا تاب إلى الله وأناب واستقام فالله جل وعلا بجوده وكرمه يغير حاله السيئة إلى
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 256)
حالة حسنة ، وهكذا إذا كان العبد على راحة واستقامة وهدى ، ثم انحرف وحاد عن الطريق ، وتابع الهوى والشيطان ، فالله سبحانه قد يعاجله بالعقوبة ، وقد يغير عليه سبحانه وتعالى ، فينبغي له أن يحذر وأن لا يغتر بأنعم الله تعالى عليه سبحانه وتعالى .

81 - تفسير قوله تعالى : وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ سورة النحل الآية 125
السؤال : قال تعالى : سورة النحل الآية 125 ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ على من يعود الضمير في قوله تعالى : سورة النحل الآية 125 وَجَادِلْهُمْ ؟ نشر في ( جريدة الرياض ) العدد ( 10924 ) في 26/ 1/ 1419هـ .
الجواب : يعود على المدعوين ، والمعنى : ادع الناس إلى سبيل ربك ، فالضمير في جادلهم يعني المدعوين ، سواء كانوا مسلمين أو كفارا ، ومثلها قوله تعالى : سورة العنكبوت الآية 46 وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وأهل الكتاب هم الكفرة من اليهود والنصارى
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 257)
فلا يجوز جدالهم إلا بالتي هي أحسن ، إلا الذين ظلموا منهم ، فالظالم يعامل بما يستحقه .

82 - تفسير قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا سورة مريم الآية 71
س : ما تفسير قوله تعالى : سورة مريم الآية 71 وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ؟
ج: قد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الورود في الآية بأنه : المرور على متن جهنم ؛ لأن الصراط منصوب على متنها ، فالمتقون يمرون وينجيهم الله من شرها ، والكافرون يسقطون فيها ، والعاصي على خطر من ذلك ، نسأل الله العافية ، قال الله سبحانه : سورة مريم الآية 71 وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا سورة مريم الآية 72 ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا

(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 258)
83 -
تفسير قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ سورة النور الآية 35
س : أريد من سماحتكم تفسير قوله تعالى : سورة النور الآية 35 اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ؟ .
ج : معنى الآية الكريمة عند العلماء : أن الله سبحانه منورها ، فجميع النور الذي في السماوات والأرض ويوم القيامة كان من نوره سبحانه .
والنور نوران : نور مخلوق ، وهو ما يوجد في الدنيا والآخرة ، وفي الجنة وبين الناس الآن من نور القمر والشمس والنجوم . وهكذا نور الكهرباء . والنار كله مخلوق ، وهو من خلقه سبحانه وتعالى .
أما النور الثاني : فهو غير مخلوق ، بل هو من صفاته سبحانه وتعالى . والله سبحانه وبحمده بجميع صفاته هو الخالق ، وما سواه مخلوق ، فنور وجهه عز وجل ونور ذاته سبحانه وتعالى ، كلاهما غير مخلوق ، بل هما صفه من صفاته جل وعلا .
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 259)
وهذا النور العظيم له سبحانه ، وليس مخلوقا بل هو صفة من صفاته ، كسمعه وبصره ويده وقدمه وغير ذلك من صفاته العظيمة سبحانه وتعالى . وهذا هو الحق الذي درج عليه أهل السنة والجماعة .

84 - تفسير قوله تعالى : وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ الآية سورة الفرقان الآية 68
س : ما معنى قول الحق تبارك وتعالى : سورة الفرقان الآية 68 وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا سورة الفرقان الآية 69 يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا هل المقصود في الآية أن يفعل الإنسان الكبائر الثلاث ثم يخلد في النار ؟ أم المقصود إذا ارتكب إحدى هذه الكبائر يخلد في النار ؟ فمثلا : ارتكب جريمة القتل هل يخلد في النار أم لا ؟ نرجو أن تتفضلوا بالتفسير المفصل لهذه الآية الكريمة ؟

(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 260)
ج: هذه الآية العظيمة فيها التحذير من الشرك والقتل والزنا ، والوعيد لأصحاب هذه الجرائم بما ذكره الله سبحانه وتعالى في قوله : سورة الفرقان الآية 68 وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا قال بعض المفسرين : إنه جب في جهنم ، وقال آخرون معنى ذلك : إنه إثم كبير عظيم ، فسره سبحانه بقوله : سورة الفرقان الآية 69 يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا فهذا جزاء من اقترف هذه الجرائم الثلاث أنه يضاعف له العذاب ويخلد فيه مهانا لا مكرما ، وهذه الجرائم الثلاث مختلفة في المراتب ، فجريمة الشرك : هي أعظم الجرائم وأعظم الذنوب وصاحبها مخلد في النار أبد الآباد ، لا يخرج من النار أبدا بإجماع أهل العلم ، كما قال الله تعالى في كتابه العظيم : سورة التوبة الآية 17 مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ وقال تعالى : سورة الأنعام الآية 88 وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وقال سبحانه :
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 261)

سورة الزمر الآية 65 وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ وقال في حقهم : سورة المائدة الآية 37 يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ والآيات في هذا كثيرة ، فالمشرك إذا مات على شركه ولم يتب فإنه مخلد في النار ، والجنة عليه حرام والمغفرة عليه حرام بإجماع المسلمين ، قال تعالى : سورة المائدة الآية 72 إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وقال سبحانه : سورة النساء الآية 48 إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فجعل المغفرة حراما على المشرك إذا مات على الشرك ، أما ما دون الشرك فهو تحت مشيئة الله .
والخلاصة : أن المشرك إذا مات على شركه فهو مخلد في النار أبد الآباد بإجماع أهل العلم ، وذلك مثل الذي يعبد الأصنام أو الأحجار أو الأشجار أو الكواكب أو الشمس أو القمر أو الأنبياء ، أو يعبد الأموات ومن يسمونهم بالأولياء ، أو يستغيث بهم ويطلب منهم المدد ، أو العون عند قبورهم ، أو بعيدا منها ، مثل قول بعضهم : يا سيدي
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 262)
فلان المدد المدد ، يا سيدي البدوي المدد المدد ، أو يا سيدي عبد القادر أو يا سيدي رسول الله المدد المدد ، الغوث الغوث ، أو يا سيدي الحسين أو يا فاطمة أو يا ست زينب أو غير ذلك ممن يدعوه المشركون ، وهذا كله من الشرك الأكبر والعياذ بالله ، فإذا مات عليه صاحبه صار من أهل النار - والعياذ بالله - والخلود فيها .

أما الجريمة الثانية وهي : القتل ، والثالثة وهي الزنا : فهاتان الجريمتان دون الشرك ، وهما أكبر المعاصي وأخطرها إذا كان من يتعاطاهما لم يستحلهما ، بل يعلم أنهما محرمتان ، ولكن حمله الغضب أو الهوى أو غير ذلك على الإقدام على القتل وحمله الهوى والشيطان على الزنا ، وهو يعلم أن القتل بغير حق محرم ، وأن الزنا محرم ، فأصحاب هاتين الجريمتين متوعدون بالعقوبة المذكورة ، إلا أن يعفو الله عنهم ، أو من عليهم بالتوبة النصوح قبل الموت ، ولعظم هاتين الجريمتين وكثرة ما يحصل بهما من الفساد قرنهما الله بجريمة الشرك في هذه الآية ، وتوعد أهل هذه الجرائم الثلاث بمضاعفة العذاب والخلود فيه تنفيرا منها وتحذيرا للعباد من عواقبها الوخيمة ، ودلت النصوص الأخرى من الكتاب والسنة على أن القتل والزنا دون الشرك في حق من لم يستحلهما وأنهما داخلان
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 263)
في قوله تعالى : سورة النساء الآية 48 وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ أما من استحلهما فهو كافر حكمه حكم الكفرة في الخلود في العذاب يوم القيامة . نسأل الله العافية والسلامة .

أما من تاب من أهل هذه الجرائم الثلاث وغيرها توبة نصوحا فإن الله يغفر له ، ويبدل سيئاته حسنات إذا أتبع التوبة بالإيمان والعمل الصالح ، كما قال سبحانه بعدما ذكر هذه الجرائم الثلاث وعقوبة أصحابها : سورة الفرقان الآية 70 إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا فالله سبحانه يغفر لأهل المعاصي التي دون الشرك إذا شاء ذلك ، أو يعذبهم في النار على قدر معاصيهم ثم يخرجهم منها بشفاعة الشفعاء ، كشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وشفاعة الملائكة والأفراط والمؤمنين ، ويبقى في النار أقوام من أهل التوحيد لا تنالهم الشفاعة من أحد فيخرجهم الله سبحانه وتعالى برحمته ؛ لأنهم ماتوا على التوحيد والإيمان ، ولكن لهم أعمال خبيثة ومعاص دخلوا بها النار ، فإذا طهروا منها ومضت المدة التي كتب الله عليهم أخرجوا من النار برحمة من الله عز وجل ، ويلقون في نهر يقال له ( نهر الحياة ) من أنهار الجنة ينبتون فيه كما تنبت
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 264)

الحبة في حميل السيل ، فإذا تم خلقهم أدخلهم الله الجنة ، وبهذا يعلم أن العاصي كالقاتل والزاني لا يخلد في النار خلود الكفار ، بل له خلود خاص على حسب جريمته لا كخلود الكفار ، فخلود الشرك خلود دائم ليس له منه محيص وليس له نهاية ، كما قال تعالى في سورة البقرة في حق المشركين : سورة البقرة الآية 167 كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ وقال تعالى في سورة المائدة : سورة المائدة الآية 36 إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ سورة المائدة الآية 37 يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ أما من دخل النار من العصاة فإنهم يخرجون منها إذا تمت المدة التي كتب الله عليهم ، وإما بشفاعة الشفعاء ، وإما برحمة الله سبحانه وتعالى من دونها شفاعة أحد ، كما جاء ذلك في أحاديث الشفاعة المتواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن فيها أنه يبقى في النار أقوام لم يخرجوا بشفاعة الشفعاء ، فيخرجهم سبحانه منها بدون شفاعة أحد ، لكونهم ماتوا على التوحيد ، وخلود من يخلد من العصاة في النار خلود مؤقت له نهاية ، والعرب تسمى الإقامة
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 265)
الطويلة خلودا ، كما قال بعض الشعراء يصف قوما :
أقاموا فأخلدوا
، أي طولوا الإقامة ، فلا يخلد في النار الخلود الدائم إلا أهلها وهم الكفرة فتطبق عليهم ولا يخرجون منها كما قال سبحانه : سورة البلد الآية 19 وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ سورة البلد الآية 20 عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ وقال سبحانه : سورة الهمزة الآية 8 إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ سورة الهمزة الآية 9 فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ نسأل الله العافية والسلامة .

85 - تفسير قوله تعالى : الم غُلِبَتِ الرُّومُ [ سورة الروم الآيات 1 -2 ]
س : ما تفسير هذه الآيات الكريمات منها قوله تعالى : سورة الروم الآية 1 الم سورة الروم الآية 2 غُلِبَتِ الرُّومُ سورة الروم الآية 3 فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ؟ أرجو من فضيلة الشيخ تفسير هذه الآيات الكريمة ، ومن هم الروم المذكورون فيها ؟
ج: الروم : هم النصارى المعروفون ، وكانت الحرب بينهم وبين الفرس سجالا ، تارة يدال هؤلاء على هؤلاء ، وتارة هؤلاء على هؤلاء ، أخبر الله سبحانه وتعالى أنهم غلبوا ، غلبتهم الفرس :
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 266)
سورة الروم الآية 3 فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ سورة الروم الآية 4 فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ فوقع ذلك فغلبت الروم الفرس ، وكان ذلك في أول مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - حين كان الرسول عليه الصلاة والسلام في مكة ، وكان ذلك من الآيات والدلائل على صدقه - صلى الله عليه وسلم - وأنه رسول الله حقا ، لوقوع الأمر ، كما أخبر الله به في كتابه العظيم .
فالله جل وعلا هو العالم بالمغيبات ، ويخبر نبيه بما يشاء منها سبحانه وتعالى ، كما أخبره عن الكثير مما يكون في آخر الزمان ، كما أخبره فيما مضى من الزمان ؛ من أخبار عاد ، وثمود ، وقوم نوح ، وفرعون وغيرهم ، وكما أخبره أيضا عليه الصلاة والسلام عما يكون يوم القيامة ، ومن حال أهل الجنة وأهل النار إلى غير ذلك ، فهذا من جملة الأخبار الغيبية التي أخبر بها القرآن ووقعت كما أخبر ، وكان ذلك من علامة صدق الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد فرح المسلمون بذلك ؛ لأن الروم أقرب إلى المسلمين من الفرس ؛ لأنهم أهل كتاب ،
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 267)
والفرس عباد أوثان ؛ ولهذا قال عز وجل : سورة الروم الآية 4 وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ سورة الروم الآية 5 بِنَصْرِ اللَّهِ الآية . 86 -
تفسير قوله تعالى : وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى سورة الروم الآية 27
س : قوله سبحانه : سورة الروم الآية 27 وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هل المثل يعنى الشبيه ؟
ج: يعني المثل : الوصف الأعلى من كل الوجوه ، فهو سبحانه الموصوف بالكمال المطلق من كل الوجوه ، كما قال سبحانه : سورة الشورى الآية 11 لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وقال سبحانه : سورة الإخلاص الآية 1 قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ سورة الإخلاص الآية 2 اللَّهُ الصَّمَدُ سورة الإخلاص الآية 3 لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ سورة الإخلاص الآية 4 وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ والله ولي التوفيق .

(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 268)
87 -
تفسير قوله تعالى : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ سورة فاطر الآية 28
س : أرجو تفسير قوله تعالى : سورة فاطر الآية 28 إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ؟
ج: هذه الآية عظيمة ، وهي تدل على : أن العلماء وهم العلماء بالله وبدينه وبكتابه العظيم وسنة رسوله الكريم ، هؤلاء هم أكمل الناس خشية لله ، وأكملهم تقوى لله وطاعة له سبحانه ، وعلى رأسهم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
فمعنى : سورة فاطر الآية 28 إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ أي الخشية الكاملة من عباده : العلماء ، وهم الذين عرفوا ربهم بأسمائه وصفاته وعظيم حقه سبحانه وتعالى ، وتبصروا في شريعته ، وآمنوا بما عنده من النعيم لمن اتقاه ، وما عنده من العذاب لمن عصاه وخالف أمره ، فهم لكمال علمهم بالله ، وكمال معرفتهم بالحق كانوا أشد الناس خشية لله ، وأكثر الناس خوفا من الله وتعظيما له سبحانه وتعالى ، وليس معنى الآية : أنه لا يخشى الله إلا العلماء ، فإن كل مسلم ومسلمة وكل مؤمن ومؤمنة يخشى الله عز وجل ويخافه سبحانه ، لكن الخوف

(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 269)
متفاوت ليسوا على حد سواء ، فكل ما كان المؤمن أعلم بالله وأفقه في دينه كان خوفه من الله أكثر وخشيته أكمل ، وهكذا المؤمنة كلما كانت أعلم بالله وأعلم بصفاته وعظيم حقه كان خوفها من الله أعظم وكانت خشيتها لله أكمل من غيرها ، وكلما قل العلم وقلت البصيرة قل الخوف من الله وقلت الخشية له سبحانه ، فالناس متفاوتون في هذا حتى العلماء متفاوتون ، فكلما كان العالم أعلم بالله وكلما كان العالم أقوم بحقه وبدينه وأعلم بأسمائه وصفاته كانت خشيته لله أكمل ممن دونه في هذه الصفات ، وكلما نقص العلم نقصت الخشية لله ، ولكن جميع المؤمنين والمؤمنات كلهم يخشون الله سبحانه وتعالى على حسب علمهم ودرجاتهم في الإيمان ؛ ولهذا يقول جل وعلا : سورة البينة الآية 7 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ سورة البينة الآية 8 جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ وقال تعالى : سورة الملك الآية 12 إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وقال تعالى : سورة الرحمن الآية 46 وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فهم مأجورون
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 270)
على خشيتهم لله ، وإن كانوا غير علماء وكانوا من العامة ، لكن كمال الخشية يكون للعلماء ؛ لكمال بصيرتهم وكمال علمهم بالله ، فتكون خشيتهم لله أعظم ؛ وبهذا يتضح معنى الآية ويزول ما يتوهم بعض الناس من الإشكال في معناها، والله ولي التوفيق .

88 - تفسير قوله تعالى : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا سورة يس الآية 38 الآية
س : ما تفسير قوله تعالى : سورة يس الآية 38 وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ سورة يس الآية 39 وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ سورة يس الآية 40 لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ؟
ج: هذه الآية الكريمة فسرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر - رضي الله عنه - وهو قوله : سورة يس الآية 38 وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر قال : أخرجه البخاري في صحيحه كتاب ( بدء الخلق ) باب : صفة الشمس والقمر برقم ( 2960 ) . يا أبا ذر ، أتدري ما مستقرها ؟ فقال أبو ذر : الله ورسوله أعلم ، قال - صلى الله عليه وسلم - :
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 271)
مستقرها : أنها تسجد تحت عرش ربها عز وجل ذاهبة وآيبة بأمره سبحانه وتعالى . سجودا الله أعلم بكيفيته سبحانه وتعالى .

وهذه المخلوقات كلها تسجد لله وتسبح له جل وعلا ، تسبيحا وسجودا يعلمه سبحانه ، وإن كنا لا نعلمه ولا نفقهه ، كما قال عز وجل : سورة الإسراء الآية 44 تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا وقال تعالى : سورة الحج الآية 18 أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ الآية ، هذا السجود يليق به ، لا يعلم كيفيته إلا الله سبحانه ، ومن هذا قوله تعالى في سورة الرعد : سورة الرعد الآية 15 وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ فالشمس تجري كما أمرها الله تطلع من المشرق وتغيب من المغرب إلى آخر الزمان ، فإذا قرب قيام
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 272)
الساعة طلعت من مغربها ، وذلك من أشراط الساعة العظمى ، كما تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا انتهى هذا العالم وقامت القيامة كورت ، كما قال تعالى : سورة التكوير الآية 1 إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ فتكور ويذهب نورها وتطرح هي والقمر في جهنم ؛ لأنهما قد ذهبت الحاجة إليهما بزوال هذه الدنيا .
والمقصود : أنها تجري لمستقر لها ذاهبة وآيبة ، ومستقرها سجودها تحت العرش في سيرها طالعة وغاربة ، كما تقدم ذكر ذلك في الحديث الصحيح ، ذلك بتقدير العزيز العليم ، وهو الذي قدر سبحانه وتعالى لها ذلك .
العزيز ، ومعناه : المنيع الجناب الغالب لكل شيء ، العليم بأحوال خلقه سبحانه وتعالى . والله ولى التوفيق .

(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 273)
89 -
تفسير قوله تعالى : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ
سورة الزمر الآية 68
س : ما تفسير قوله سبحانه وتعالى : سورة الزمر الآية 68 فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ . من هو المستثنى هنا ؟
ج: الله أعلم . وقال بعض أهل العلم : إنهم الملائكة ، وقال بعضهم : إنهم الشهداء . والله سبحانه وتعالى هو أعلم بمراده بذلك .

90 - تفسير قوله تعالى : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ سورة الفتح الآية 10
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد : صدرت من مكتب سماحته برقم 2823/ 2 في 17/ 9/ 1408هـ .
فأشير إلى استفتائك المقيد بإدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم 3137 في 11/ 7/ 1408هـ الذي نصه : لقد كنا في حلقة
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 274)
تفسير في مسجد بمنطقة الصليبية في الكويت ، وقد تعرض إمام المسجد إلى تفسير قول الله تعالى : سورة الفتح الآية 10 يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ . فقال : قيل معناها : منة الله عليهم ، وقيل : قوة الله معهم ، وقيل : الله عليم بحالهم ونياتهم . فتكلم أحد الشباب من إخواننا في الله بعد الدرس ، وقال : تفسيرك هذا ليس من عقيدة أهل السنة والجماعة بل هو من كلام الأشاعرة ، فغضب الإمام وقال : إن هذا موجود في كتاب الماوردي وابن كثير ، فرد الشاب وقال : ليس هذا في ابن كثير ، وإنما هو عند الماوردي الأشعري ، فلما رأى العامة الشيخ غضبان غضبوا له ورمى بعضهم الشاب بكلمة ( أنت مسيحي ) ( أنت بوذي ) وكادوا أن يضربوه لولا أن بعضهم حماه ، والله يعلم أن هذا الشاب لم يتكلم إلا غيرة على عقيدة المسلمين ، ومن باب أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فأشار الشاب أن يقضي فضيلتكم بينهم فوافق العوام على ذلك ، فأفيدونا ونحن بانتظار ردكم وجزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء .
الجواب : وأفيدك أن ما نعتقده في إثبات صفة اليد لله تبارك وتعالى وغيرها في الصفات التي وصف الله بها نفسه في كتابه العزيز ، أو وصفه بها رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - في سنته المطهرة هو : إثباتها لله تبارك وتعالى إثباتا حقيقيا على ما يليق بجلال الله

(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 275)
سبحانه من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل . ونؤمن بأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، فلا ننفي عنه ما وصف به نفسه ولا نحرف الكلم عن مواضعه ، ولا نكيف ولا نمثل صفاته بصفات خلقه ؛ لأنه سبحانه لا سمي له ولا كفؤ له ولا ند له ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى . فكما أن له سبحانه ذاتا حقيقية لا تشبه ذوات خلقه فكذلك له صفات حقيقية لا تشبه صفات خلقه ، ولا يلزم من إثبات الصفة للخالق سبحانه . مشابهتها لصفة المخلوق ، وهذا هو مذهب سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم في القرون الثلاثة المفضلة ، ومن سلك سبيلهم من الخلف إلى يومنا هذا . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : حكى غير واحد إجماع السلف أن صفات الباري جل وعلا تجري على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنه ، وذلك أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله ، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية ، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية ، فنقول : إن لله سبحانه يدا وعينا ، ولا نقول : إن معنى اليد القدرة ، ومعنى السمع العلم ، ثم استدل رحمه الله على إثبات صفة اليد لله سبحانه من القرآن بقول الله سبحانه : سورة المائدة الآية 64 وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 276)

وقال تعالى لإبليس : سورة ص الآية 75 مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ وقال سبحانه : سورة الزمر الآية 67 وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ وقال تعالى : سورة الملك الآية 1 تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وقال تعالى : سورة آل عمران الآية 26 بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثم قال رحمه الله تعالى : فالمفهوم من هذا الكلام أن لله تعالى يدين مختصتين به ذاتيتين له كما يليق بجلاله ، وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس ، وأنه سبحانه يقبض الأرض ويطوي السماوات بيده اليمنى وأن يديه مبسوطتان ، ومعنى بسطهما : بذل الجود وسعة العطاء ؛ لأن الإعطاء والجود في الغالب يكون ببسط اليد ومدها ، وتركه يكون ضما لليد إلى العنق ، كما قال تعالى : سورة الإسراء الآية 29 وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا وصار من الحقائق العرفية أنه إذا قيل : هو مبسوط اليد
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 277)

فهم منه يد حقيقية ، وقال رحمه الله تعالى : " إن لفظ اليدين بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في القدرة ؛ لأن استعمال لفظ الواحد في الاثنين أو الاثنين في الواحد لا أصل له في لغة العرب التي نزل بها القرآن ، فقوله : سورة ص الآية 75 لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ لا يجوز أن يراد به القدرة ؛ لأن القدرة صفة واحدة ، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد ، ولا يجوز أن يراد به النعمة ؛ لأن نعم الله لا تحصى ؛ فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية . ثم استدل رحمه الله تعالى على إثبات صفة اليد لله سبحانه من السنة بقوله - صلى الله عليه وسلم - : أخرجه مسلم في كتاب ( الإمارة ) باب : فضيلة الإمام العادل برقم ( 3406 ) . المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين ، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا . رواه مسلم ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : أخرجه البخاري في صحيحه كتاب ( التوحيد ) باب قوله تعالى : ( لما خلقت بيدي ) برقم ( 6862 ) ومسلم في كتاب ( الزكاة ) باب : الحث على النفقة وتبشير المنفق برقم ( 1659 ) . يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه ، والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض إلى يوم القيامة .
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 278)
رواه مسلم ، وفي الصحيح أيضا عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أخرجه البخاري في كتاب ( الرقائق ) باب : يقبض الله الأرض برقم ( 6039 ) ومسلم في كتاب ( صفة القيامة والجنة والنار ) باب : نزل أهل الجنة برقم ( 5000 ) . تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفؤ أحدكم بيده خبزته في السفر .

وفي الصحيح أيضا عن ابن عمر - رضي الله عنهما - يحكي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أخرجه مسلم في كتاب ( صفة القيامة والجنة والنار ) برقم ( 4996 ) . يأخذ الرب عز وجل سماواته وأرضه بيديه ، وجعل يقبض يديه ويبسطها ، ويقول : أنا الرحمن . حتى نظرت إلى المنبر يتحرك أسفل منه حتى إني أقول : أساقط هو برسول الله - صلى الله عليه وسلم .
وفي رواية أنه أخرجه الإمام أحمد في ( مسند المكثرين من الصحابة ) مسند عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - برقم ( 5157 ) . قرأ هذه الآية على المنبر : سورة الزمر الآية 67 وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ قال يقول الله : " أنا الله أنا الجبار وذكره ، وفي الصحيح أيضا عن أبي
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 279)

هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أخرجه البخاري في كتاب ( الرقائق ) باب : يقبض الله الأرض يوم القيامة برقم ( 6038 ) ومسلم في كتاب ( صفة القيامة والجنة والنار ) برقم ( 4994 ) . يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ، ثم يقول : أنا الملك ، أين ملوك الأرض ، وفي حديث صحيح : أخرجه الترمذي في سننه كتاب ( تفسير القرآن ) باب ومن سورة المعوذتين برقم ( 3290 ) . أن الله لما خلق آدم قال له : ويداه مقبوضتان اختر أيهما شئت ، قال : اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ، ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته ، وفي الصحيح : أخرجه البخاري في كتاب ( التوحيد ) برقم ( 6855 ) ومسلم في كتاب ( التوبة ) في سعة رحمة الله تعالى برقم ( 4939 ) . أن الله كتب بيده على نفسه لما خلق الخلق إن رحمتي تغلب غضبي ، وفي الصحيح أخرجه الإمام مسلم في كتاب ( القدر ) باب : حجاج آدم وموسى عليهما السلام برقم ( 4795 ) . أنه لما تحاج آدم وموسى قال آدم : يا موسى ، اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده وقد قال موسى : أنت آدم الذي خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وفي حديث آخر أنه قال سبحانه : تفسير ابن كثير ج3 ص52 . وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 280)

قلت له كن فكان . وفي حديث آخر في السنن : أخرجه الترمذي في كتاب ( تفسير القرآن ) باب ومن سورة الأعراف برقم ( 3001 ) . لما خلق الله آدم ومسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته ، فقال : خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، ثم مسح ظهره بيده الأخرى فقال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون . قال شيخ الإسلام - رحمه الله - : فهذه الأحاديث وغيرها نصوص قاطعة لا تقبل التأويل ، وقد تلقتها الأمة بالقبول والتصديق . ثم قال - رحمه الله تعالى - : فهل يجوز أن يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد ، وأن الله تعالى خلق بيده ، وأن يديه مبسوطتان ، وأن الملك بيده ، وفي الحديث ما لا يحصى ، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأولي الأمر لا يبينون للناس إن هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره ، حتى ينشأ جهم بن صفوان بعد انقراض عهد الصحابة فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم ، ويتبعه عليه بشر بن غياث ومن سلكوا سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق ، وكيف يجوز أن يعلمنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - كل شيء حتى ( الخرأة ) ويقول : أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب ( المقدمة ) باب : اتباع سنة الخلفاء الراشدين برقم ( 43 ) . ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به ، تركتكم على البيضاء ، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 281)

هالك . ثم يترك الكتاب المنزل عليه وسنته الغراء مملوءة ، مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم ، وأن اعتقاد ظاهره ضلال ، وهو لا يبين ذلك ولا يوضحه ، وكيف يجوز للسلف أن يقولوا : أمروها كما جاءت . مع أن معناها المجازي هو المراد وهو شيء لا يفهمه العرب حتى يكون أبناء الفرس والروم أعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار . اهـ باختصار من مجموع الفتاوى ج6 ص351 إلى 373 ، وبما ذكرنا يتضح للجميع أن ما ذكره الشاب هو الصواب . ونسأل الله أن يهدي الجميع لإصابة الحق في القول والعمل إنه سميع مجيب . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
(الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 282)






كلمات البحث

ورد ، العرب ، دردشة ، شبكة ، منتديات ، مركز تحميل





jtsdv lk tjh,n hfk fh. hg[.x vrl : 24K hgwtpm vrl: 282)



 

رد مع اقتباس
قديم 2010-03-10, 12:39 AM   #2
شخصية مهمة & الأميره بينهم



صاحبة السمو غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 221
 تاريخ التسجيل :  Jul 2009
 أخر زيارة : 2014-04-01 (12:50 AM)
 المشاركات : 17,113 [ + ]
 التقييم :  4300
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 مزاجي
 SMS ~
;;;يآرب;;;
آلقمني لقمه فرح تٌشعرني بآن الحيآه آفضل ممآيفعلون بهآ
لوني المفضل : Black
افتراضي رد: تفسير من فتاوى ابن باز الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 282)



اسأل الله الا يحرمك من الخير كلهـ وان يجزاك خير الجزاء

سدد الله خطاك وارزقنـا وايــاكم جنة الفرودس

جعلهـا الله في ميزان حسناتك

تقبل مروري


 

رد مع اقتباس
قديم 2010-03-10, 01:54 AM   #3
حبيتك



ฤήěěή ฤĻЯ๏๏ђ غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 987
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 2012-12-06 (08:54 PM)
 المشاركات : 1,515 [ + ]
 التقييم :  236
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 مزاجي
 SMS ~
أَبَصْرخّ للعَآإلـمْ .،
أَبِـي ڪل مَنْ فِي الڪُوُنْ يَسْمعنِي .. !!

{ .. ~ أحــــــبــــــــــــڪ ~ .. }
لوني المفضل : Black
افتراضي رد: تفسير من فتاوى ابن باز الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 282)



ج ـزاك الله خ ـير


وزادك الله فقها وعلما


وسع ـادة فى الدارين


وفقك الله الى ما يح ـب ويرضى


..


 

رد مع اقتباس
قديم 2010-03-10, 02:48 AM   #4
حبيت?



رموز الامل غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 418
 تاريخ التسجيل :  Aug 2009
 أخر زيارة : 2014-08-30 (02:20 AM)
 المشاركات : 21,729 [ + ]
 التقييم :  10783
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 مزاجي
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
أَس‘ـمع ص‘.ـوتك فِي كِلْ مَ.ـكَانْ
أتَلْفَتْ وَادَورْ !!


اَثَرِ الصُ‘ـوتْ مِنْ جٌ‘ـوفِي


يِرَدْد كَلَآمِكْ مِنْ كَثَرَهْ الأشَوآقْ
لوني المفضل : Darkgray
افتراضي رد: تفسير من فتاوى ابن باز الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 282)



جزاك الله خيرا


 

رد مع اقتباس
قديم 2010-03-10, 04:28 AM   #5
مــراقــبة سـابقـه


منتهى الرقه غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 389
 تاريخ التسجيل :  Aug 2009
 أخر زيارة : 2011-08-18 (12:37 AM)
 المشاركات : 9,066 [ + ]
 التقييم :  1013
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 مزاجي
 SMS ~
استغفر الله الذي لااله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
اللهم صلي وسلم وبارك وانعم على عبدك ونبيك محمد واله وصحبه وسلم
لوني المفضل : Blue
افتراضي رد: تفسير من فتاوى ابن باز الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 282)



جزاك الله الف خير
وجعلها في موازين حسناتك
يعطيك الف عافيه على الطرح


 

رد مع اقتباس
قديم 2010-03-10, 07:02 AM   #6
حبيت?



Ρяiήcě غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1027
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 2011-01-22 (08:12 PM)
 المشاركات : 3,607 [ + ]
 التقييم :  121
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Male
 مزاجي
 SMS ~
علمتني الحياة
بأنها كتاب مفتوح
والايام صفحاتها
ونحن البشر نسطر
اروع الحكايا والقصص
لذا وجدت الكتاب ممتعا
لوني المفضل : Darkslategray
افتراضي رد: تفسير من فتاوى ابن باز الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 282)



جزاك الله خير الجزاء
وكتب ما قدمت في ميزان حسناتك
تحيتي لك وتقديري


 

رد مع اقتباس
قديم 2010-03-10, 10:36 AM   #7
ورد مميز



ذنبي وفيت غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 680
 تاريخ التسجيل :  Nov 2009
 أخر زيارة : 2014-07-18 (11:03 PM)
 المشاركات : 2,321 [ + ]
 التقييم :  1100
 مزاجي
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير من فتاوى ابن باز الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 282)



جزاك الله خير
وجعلها في موازين حسناتك


 

رد مع اقتباس
قديم 2010-03-10, 10:37 AM   #8
عميد المنتدى


عطر الليل غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 70
 تاريخ التسجيل :  Apr 2009
 أخر زيارة : 2014-08-30 (06:52 PM)
 المشاركات : 108,358 [ + ]
 التقييم :  78387
 مزاجي
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير من فتاوى ابن باز الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 282)



جزاك الله خير
وبارك الله فيك


 

رد مع اقتباس
قديم 2010-03-10, 01:24 PM   #9
حبيت?
άвék ẃ мάвé̲нm


ح ـكآية قلب غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 293
 تاريخ التسجيل :  Jul 2009
 أخر زيارة : 2014-06-12 (04:02 AM)
 المشاركات : 21,204 [ + ]
 التقييم :  323
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 مزاجي
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
مـن زۈٍد حبيْ ڷڪ يْقولونْ مسحور انْ ڪانْ حبڪ سحِر مبغى ـآ عڷآجه
لوني المفضل : Black
افتراضي رد: تفسير من فتاوى ابن باز الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 282)



ج‘ـزـآك ـآلله ـآلف خ‘ـير
وـآثآبك ـآلفردوس ـآلاعلى
ودي


 

رد مع اقتباس
قديم 2010-03-10, 05:38 PM   #10
حبيت
دلوعة الكل وبكيفيy124:



"ندومه الدلوعه" غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 101
 تاريخ التسجيل :  May 2009
 أخر زيارة : 2013-07-27 (05:04 AM)
 المشاركات : 10,070 [ + ]
 التقييم :  3800
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 مزاجي
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
* أنا ما أمشي ورى غيرك و لو إنه يطق الباب ..
و ترى عيبٍ عليْ أطعن و لو كثرت سكآكيني..!
لوني المفضل : Cornflowerblue
افتراضي رد: تفسير من فتاوى ابن باز الجزء رقم : 24، الصفحة رقم: 282)



يسلمـــــــــــــــــو ع الطـــــــــــــــــــرح الرااااااااائع
تميز وابدااااااااااااااااع
ربي يسعدك


 

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

Bookmark and Share

أقسام المنتدى

المنتديآت العـــآمــــهـ | المنتــديـآت الإســلاميــــهـ | ورد العــــام | ورد النقاش الجاد | المنتديآت الآســريـهـ | المنتديآت الالكتـروٍنيـــــهـ والتقنـــيهـ | ورد التصاميم والجرافيكس | المنتــديـآت الـريـاضيــــهـ | ورد الرياضة السعودية | ورد الرياضه العربيه والعالميه | المنتديآت الادبيـــــهـ | ورد واحة الخـــواطر | ورد الشعر والشعراء | وردالقصص والروايات | المنتديآت التـرفيـــهيـــهـ | ورد الضحك والفرفشه والوناسه | المنتديآت الآدـآريــهــ | ورد المواضيع المكرره | ورد الشكاوي والاقتراحات | ورد المشرفين | ورد الادارة | ورد الموضـه و المكيـــاج | ورد الالعـــاب والتسلية | ورد الجوال والاتصـــالات | ورد الصــــوٍر | كلام نواعم ورد العرب | ورد الكمبيوتر والبرامج | المنتــديـآت الـصحيـــهـ | ورد الترٍحـــيب والاهداءت | المنتــديـآت الـفنيــــهـ | ورد اخبار الفن | ورد الماسنجر والتوبيكات | ورد كرسي الإعتراف | ورد التهاني والتبريكات | ورد الصوتيات الإسلاميه | ورد الطبـــــخ | ورد الاســـرهـ | ورد الاطــــفــــــال | ورد الديكور والأثاث والاعمال اليدويه | ورد السيارات | ورد المساحة الحرة | ورد الـعـلــم و الــمــعــرفــهـ | ورد العلوم والأبحاث العلمية | ورد التاريخ والحضارة | وردالكركاتير والصور الكرتونية | ورد الأخبـار العامــة والكوارث والحوادث | ورد الانمي | ورد الافلام والمسلسلات العربية والأجنبية | ورد قصص الأنبياء والرسل | ورد البلوتوث | المنتــديـآت التعليمـيـــهـ | ورد اللغة الإنجليزية ♨ English cafe | ورد دروس الفوتشوب والسويتش | ورد كــــافــيــهـ الأعضاء | ورد المواساة والتعازي | مجلة ورد العرب | ورد السفر والسياحة | السيرة النبوية وسير الخلفاء الراشدين والتابعين | ورد صور أهل الفن | خاص بأعضاء قروب Momezi WordPress Arab | الطب النبوي والطب البديل | ورد خيمة الحج | المنتــديـآت التشكيـليــــهـ | ورد الفن التشكيلي والفنون التطبيقية | ورد العقارات والاراضي والسيارات والمناقصات الحكومية | ورد تطويـــر الـــذآت وتنمية القـدرات والمهارات | ورد الاقتصاد و التجارة العامه | مكتبة ورد العرب الالكترونية | ورد تراتيل روح | ورد الإحتفالات والمهرجاناتــ | ورد التغطيات والفعاليات والمهرجانات | ورد تصاميم الأعضاء واهداءتهم | ورد الفقة وأحكامه | أرشيف ورد العرب | خدمة أعضاء المنتدى | ورد التفسير والإعجاز العلمي في القرآن الكريم | من تـصـويــر الأعـضـاء وإبـداعاتـهـم | ورد المونتاج والفيديو | ورد المقالات الرياضية | ورد الألعاب المختلفة | {}{ورد الحديث الشريف{}{ | الضبط والمتابعة | المرحلة الابتدائية | المرحلة المتوسطة | المرحلة الثانوية | سير العلماء والدعاة | سير القراء | ورد اليوتيوب | ورد الشعر الصوتي | ورد منوعات الفن | ورد آدم | ورد ذوي الإحتياجات الخاصة | ورد العقيدة | ورد الـخــيــمــهـ الــرمــضــانــيــهـ | ورد البلاك بيري والايفون | ورد الحكم والأمثال | سير اللغويون | سير المحدثون | الصف الأول الابتدائي | الصف الثاني الابتدائي | الصف الثالث الابتدائي | الصف الرابع الابتدائي | الصف الخامس الابتدائي | الصف السادس الابتدائي | الصف الأول المتوسط | الصف الثاني المتوسط | الصف الثالث المتوسط | الصف الأول الثانوي | الصف الثاني ثانوي | الصف الثالث الثانوي | ورد محضري المختبرات | ورداعمال يدوية, كروشيه, تطريز, كروشية, تريكو, تفصيل , اعمال فنيه | ورد الاسلاميات | ورد الصحـــة | ورد التـربيـــه والتعليـــــم | ورد نصرة الرسول المصطفى | من سير الفقهاء | سير الصحابيات | سير النبلاء | ورد المصارعة الحرة والرعب | ورد الرعب | ورد الحوامل | ورد الرياضة النسائية | ورد المقابلات والحوارات الشخصية | دواوين الشعراء | ورد اليوتيوب الإسلامي | ورد أعضاء الشرف | ورد فريق الأهلي بأبو عريش | ورد نادي اليرموك بمحافظة ابو عريش | فتاوي ومقالات الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله | ورد الإدارة المدرسية | ورد الإرشاد الطلابي والنشاط | ورد محو الأمية (تعليم الكبار) | ورد البحوث المدرسية والجامعية | ورد خيمة الحج | ورد رياضة منطقة جازان | ورد رياضة منطقة جازان | ورد تكريمات منتديات ورد العرب | ورد الإعلام الجديد | كـــــــلـــنــــا ســــــــــــــــــوريــــــــــــــــا | نادي الحي بمتوسطة الشيخ ابن باز بأبو عريش | ورد االإعلام التربوي | مدرسة صلاح الدين الأيوبي بأبو عريش | مدرسة زيد بن الخطاب بأبو عريش | مدرسة الإمام البخاري بأبو عريش | الثانوية الثانية بأبو عريش | الادارة العامة ومكاتب التربية والمدارس | ورد ملوك المملكة وملوك ورؤساء الدول العربية والاسلامية ورؤساء العالم | ورد ملوك ورؤساء العالم والأسر المالكة بالعالم | متوسطة الملك فهد بأبو عريش | ورد ضيف الأسبوع | الروضة الثالثة بأبو عريش | مدرسة تحفيظ القران الكريم الابتدائية بأبو عريش | الابتدائية الرابعة للبنات بأبو عريش | المركز الاعلامي لفريق الصاروخ بأبو عريش | الابتدائية الثانية للبنات بأبو عريش | المدرسة الابتدائية الأولى للبنات بأبو عريش | ابتدائية ومتوسطة قامرة للبنات بأبو عريش | مدرسة الفاروق الابتدائية بأبو عريش | الابتدائية السادسة للبنات بأبو عريش | نادي جيل المستقبل بأبوعريش | مجلس جماهير النادي الأهلي بمنطقة جازان |



Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2010
جميع الحقوق محفوظة لـ منتديات ورد العرب